حميد فايو
يُعدّ أنطونيو غرامشي من أبرز المفكرين الماركسيين الذين تجاوز تأثيرهم حدود زمنهم التاريخي. فبينما كتب “دفاتر السجن” في سياق صعود الفاشية الإيطالية، جاءت مفاهيمه – وعلى رأسها مفهوم الهيمنة – قادرة على تفسير آليات السيطرة والاستمرارية في الرأسمالية المعاصرة. إن راهنية غرامشي اليوم لا تكمن في بعده التاريخي، بل في قدرته التحليلية على تفكيك العلاقات المعقدة بين الاقتصاد، السياسة، والثقافة في المجتمعات الحديثة
يرتكز التصور الغرامشي للمجتمع على فكرة محورية مفادها أن السلطة لا تُمارَس بالقسر وحده، بل تقوم أساساً على القبول الطوعي. فالهيمنة، بحسب غرامشي، هي قدرة الطبقة الحاكمة على فرض رؤيتها للعالم بوصفها رؤية عامة ومشتركة، بحيث تتحول مصالحها الخاصة إلى “حسٍّ سائد” يُنظر إليه باعتباره طبيعياً وبديهياً. وبهذا المعنى، تصبح السيطرة الثقافية والأخلاقية أكثر فعالية واستدامة من السيطرة القمعية المباشرة
يفصل غرامشي بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، دون أن يفصل بينهما وظيفياً. فالدولة، بما تملكه من أدوات قانونية وقمعية، تمثل مجال الإكراه، في حين يشكّل المجتمع المدني مجال الإقناع وبناء الإجماع. وتضم هذه الساحة مؤسسات التعليم، الإعلام، الأحزاب، النقابات، والمؤسسات الدينية والثقافية. وفي هذا الفضاء تحديداً تُحسم معركة الهيمنة، حيث تُنتَج المعاني وتُشكَّل القناعات الجماعية.
يولي غرامشي أهمية خاصة لدور المثقفين، إذ لا يعتبرهم فئة منفصلة عن البنية الاجتماعية. فكل طبقة اجتماعية تُنتج مثقفيها العضويين القادرين على التعبير عن مصالحها وتنظيم رؤيتها للعالم. وفي المقابل، يسهم المثقفون التقليديون – رغم ادعائهم الحياد – في إعادة إنتاج الهيمنة القائمة. ومن هنا، يصبح الصراع الفكري والثقافي جزءاً لا يتجزأ من الصراع الطبقي
عند إسقاط هذه المفاهيم على الواقع الراهن، يظهر بوضوح كيف نجحت النيوليبرالية في ترسيخ ذاتها كمنظومة فكرية مهيمنة. فلم تعد سياسات السوق الحرة، والخصخصة، وتقليص دور الدولة مجرد خيارات اقتصادية، بل تحولت إلى منطق عام يُقدَّم بوصفه الخيار الوحيد الممكن. وقد لعب الإعلام السائد، والمؤسسات الأكاديمية، والخطاب السياسي دوراً مركزياً في تطبيع هذا النموذج وإقصاء البدائل.
في العصر الرقمي، اكتسب المجتمع المدني أبعاداً جديدة من خلال منصات التواصل الاجتماعي. فقد تحولت هذه المنصات إلى فضاء مركزي لإنتاج الخطاب وتشكيل الرأي العام، مما جعلها ساحة رئيسية لـ“حرب المواقع” الغرامشية. ورغم أنها تُستخدم من قبل النخب الاقتصادية والسياسية لإعادة إنتاج الهيمنة، فإنها تتيح في الوقت نفسه إمكانات للمقاومة وبناء سرديات مضادة
تكشف الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، واتساع الفوارق الاجتماعية، عن تصدّعات عميقة في الهيمنة النيوليبرالية. فوفقاً لغرامشي، تدخل المجتمعات في لحظات أزمة عندما يعجز النظام القائم عن إنتاج إجماع جديد. وفي هذا السياق، يبرز صعود الشعبوية كعرض لأزمة هيمنة، حيث تحاول قوى جديدة ملء الفراغ عبر خطابات تبسيطية تقوم على الهوية والخوف والاستقطاب.
في هذا المشهد، يتخذ المثقف العضوي أشكالاً جديدة. فلم يعد محصوراً في الأكاديميين أو المنظرين السياسيين، بل يشمل النشطاء الرقميين، وصناع المحتوى، وقادة الحركات الاجتماعية. هؤلاء يلعبون دوراً حاسماً في بلورة الوعي الجماعي، سواء في قضايا البيئة، العدالة الاجتماعية، أو مناهضة التمييز، ويعيدون تعريف الفعل السياسي خارج الأطر التقليدية.
تؤكد المقاربة الغرامشية أن التغيير الاجتماعي لا يتحقق عبر السيطرة على أجهزة الدولة فقط، بل من خلال إعادة تشكيل الوعي الجمعي. فـ“حرب المواقع” داخل المجتمع المدني هي معركة طويلة النفس، تتطلب عملاً ثقافياً وتربوياً وإعلامياً متواصلاً، يهدف إلى تفكيك الحس السائد وبناء تصور بديل للعالم أكثر عدالة وشمولاً.
في الختام، يقدّم فكر غرامشي أداة تحليلية بالغة الأهمية لفهم الرأسمالية المعاصرة وتناقضاتها. فهو يذكّرنا بأن الهيمنة ليست قدراً محتوماً، بل بناء تاريخي قابل للتفكك وإعادة التشكل. ومن هذا المنطلق، فإن استحضار غرامشي اليوم ليس مجرد تمرين نظري، بل دعوة واعية للمشاركة الفاعلة في صياغة المستقبل، انطلاقاً من الوعي بأن كل نظام مهيمن يحمل في داخله بذور تجاوزه.
حميد فايو، دكتور في الاقتصاد وأستاذ زائر