لحسن ايت الفقيه
أحيى أصدقاء الفقيد إبراهيم السبيطي ورفاقه الذكرى الأربعينية لرحيله، بمدينة الرشيدية بجنوب المغرب، مساء يوم السبت 17 من شهر يناير (كانون الثاني) من العام 2026. ولئن كانت المناسبة مأتما للتآسي وتقديم العزاء لأسرة مناضل شكل رحيله خسارة كبرى لجنوب شرق المغرب، فهو مناسبة للوقوف عند ذاكرة سنوات الجمر والرصاص بالمغرب حيث وقف رفاقه، إما بحضورهم المباشر في قاعة مباركة بحي لحدب بمدينة الرشيدية حيث يسكن الفقيد، أو فضلوا أن يبرقوا شهادتهم بوسائل الاتصال الإليكتروني. ساهم في المناسبة فضلا عن أصدقاء الفقيد وأفراد أسرته الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية، حزب النهج الديموقراطي العمالي، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، والحزب الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديموقراطي، وفعاليات ثقافية وحقوقية بمدينة الرشيدية صير هؤلاء، كل حسب مساهمته، وإحساسه قاعة (مباركة) إلى موضع للذاكرة. مضامين الشهادة مفيدة غاية، ومؤثرة. لذلك، فكلما استمعت للمزيد، يستحوذ علي إحساس بوجوب تدوين بعض الكلمات حول الحدث. ويستفاد من الشهادات تسطير مسار الحياة الدراسية بجامعة فاس الكائنة بحي ظهر المهراز، ابتداء من سنة 1980، ومحنة الفقيد بسجن عين قادوس بنفس المدينة وقبلها أمد الاستنطاق، والتعذيب، بمخفر حي (الدكارات) بفاس، ومخفر الشرطة لدى الضابطة القضائية، ودامت ملاحقته طويلا حيث حرم من حقه في النجاح ليخرج ماهنا أستاذا بكلية التربية، ودام في بالبطالة أمدا بعيدا، واستمر مناضلا في تجميع اليسار على المستوى المحلي والجهوي مع تيار الديموقراطيين المستقلين، ودام مناضلا بالحزب الاشتراكي الموحد. إنه مناضل ثابت على المبادئ في حقل الديموقراطية وحقوق الإنساني. لن أقف عند كل المنعطفات التي مر بها الفقيد والمحطات بقدر ما أهدف من هذه الوقفة إلى الإفصاح أن توثيق الذاكرة ورش لزم الاشتغال فيه، واستغلال جميع الفرص، انصافا لهؤلاء الذين بذلوا الجهد، والأمل يراودهم دوما، أن يروا يوما مغربا متمتعا بالديموقراطية وحقوق الإنسان.
تابع الفقيد إبراهيم السبيطي دراسته في ثانوية ابن طاهر بالرشيدية، وحصل على شهادة الباكالوريا في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وسافر كأبناء الجنوب الشرقي المغربي إلى مدينة فاس ليتابع دراسته بكلية العلوم، حيث فتحت أبوابها سنة 1980. دخل الفقيد الكلية بعيد رفع الحظر القانوني على منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب النقابية (سنة 1978)، وظهور تيار الطلبة القاعديين في مؤتمر المنظمة سنة 1979. انخرط الفقيد مناضلا مع الطلبة القاعديين وانقطع للدفاع عن مصلحة الطالب، واختير (منتخبا) عضوا في تعاضدية كلية العلوم بفاس. ظل الطلبة القاعديون ذوو المرجعيات اليسارية، الماركسية اللينينية يواجهون التضييق في الساحة الجامعية. وفي تلك الأثناء نزل ما يسمى الإصلاح الجامعي في الموسم الدراسي 1982- 1983 الذي تأكد أنه يروم ضرب الحق في التعليم ومجانيته. دام التضييق إلى يوم 24 من شهر يناير (كانون الثاني) من سنة 1984 واستقر الرأي على بعث الأجهزة (القمعية) إلى الحي الجامعي ظهر المهراز، ليلا على الساعة الثانية، وأخرج الطلبة والطالبات، كل فرض عليه أن يضع يديه على رأسه، وتعرضوا للتفتيش، وانتهى الفيلم وكانت نهاية المسلسل اعتقال عدد كبير من الطلبة، وهم أعضاء تعاضديات الكليات الثلاثة، كلية العلوم، وكلية الآداب، وكلية الحقوق، وأعضاء مجلس القاطنين، وضمنهم الفقيد إبراهيم السبيطي . قضى سنة كاملة في سجن عين قادوس بفاس. وتزامنت سنة الأزمة 1984 ووفاة طالبين قاعديين بمراكش بوبكر الدريدي ومصطفى الهواري، إثر خوضهما إضرابا عن الطعام دام 62 يوما. إن ما يجب التركيز عليه انتهاك حقوق الإنسان وقتها حيث بقضاء أسبوع بمخفر (الدكارات) بفاس، عرض فيه الطلبة على حصص التعذيب، ونزلوا أسبوعا كاملا لدى الشرطة القضائية، بفاس، ومكثوا بعيدا في الاعتقال الاحتياطي، وكل أمده الإهانة والتنكيل والتعذيب. وصفوا أصحاب الشهادات جميعهم الفقيد إبراهيم السبيطي أنه هادئ صبور في مواجهة الظروف السيئة بالمعتقل. وإنه، رغم ظروف السجن السيئة، ظل يغني (عبد الودود) للشيخ إمام، ولقبوه في السجن بلقب عبد الودود. وللإشارة أدرج منظمو الذكرى الأربعينية للفقيد لقطة الأغنية أداها السيد نور الدين برطويس وصديقه في قاعة (مباركة) بحي لحدب بالرشيدية:
واه يا عبد الودود
يا رابص على الحدود
ومحافظ على النظام
......................
فالذاكرة تقضي إعادة المشاهد بالصوت والصورة، لا بالبكاء. وورد في بعض الشهادات، أيضا، أن الفقيد، هو وباقي رفاقه المعتقلين، يتوصلون بالمعلومات ويصدرون بيانات حول أوضاعهم بسجن عين قادوس، تنشر في الجرائد الوطنية وقتها. واستقبل المعتقلون بعد خروجهم من السجن بالساحة الجامعية. لا يعنينا الاسترسال في وضع الجامعة بقدر ما يعنينا أن الفقيد واجه بعد تخرجه مضايقات تكاد تلازمه طيلة حياته. واجه ضنك الحياة حيث فرضت عليها البطالة. حدث أن اختير للاستفادة من التكوين في إحدى مدارس التربية، وبفعل المضايقات حرم من التخرج ومتعوه بنقطة موجبة للسقوط. ناضل في جمعية حملة الشهادة المعطلين بالمغرب، وظل وفيا لتيار الديموقراطيين المستقلين. رغم وضعه المادي لا يظهر شيئا ولو كانت به خصاصة، فهو هادئ قليل الكلام يقدم العمل والممارسة على (الكلام الخاوي) التعبير المغربي. حمل هم تجميع اليسار، وكلما جلست معه يفصح أنه من اللازم الوقوف عند ما يجمع اليسار لا عند ما يفرقهم. وبالفعل كان من بين المؤسسين للحزب الاشتراكي الموحد على المستوى المحلي بالرشيدية وناضل في حركة 20 فبراير من العام 2011. إنه صديق الجميع لا يضمر سوءا لأحد.
شاركت مع الفقيد لحظات تجمع اليسار وفي الحزب الاشتراكي الموحد لمدة سبع سنوات. ولقد دعيت للمناسبة للمساهمة بكلمة في حقه مساء يوم السبت 17 من شهر يناير الجاري 2026 دام اللقاء ثلاث ساعات وعشر دقائق. أقر أن هذا المقال لم يعط الفقيد حقه، فهو مساهمة في التعبير عن الوفاء لروحه. ولد سنة 1959 وتوفي في شهر دجنبر من العام 2026.