فؤاد عبد العالي
في لحظات الاحتقان الرياضي، كثيرًا ما يخفت صوت العقل ليفسح المجال لانفعالات سريعة وسلوكيات لا تعكس عمق ما يجمع أكثر مما يفرق. كرة القدم، التي وُلدت لتكون مساحة للتنافس النبيل والفرح الجماعي، تتحول أحيانًا إلى مرآة مكبرة لأزمات أعمق: أزمة خطاب، وأزمة فهم، وأزمة إدارة للاختلاف.
خلال مباراة الترتيب بين المنتخب المصري والمنتخب النيجيري، أثار تصفير جزء من الجماهير المغربية أثناء عزف النشيد الوطني المصري موجة من الجدل، واعتبره كثيرون إساءة لرمز سيادي ومقدس وطنيًا. غير أن التوقف عند الفعل وحده، دون تفكيك السياق العام الذي وُلد فيه، يظل قراءة مبتورة لا تُنصف الحقيقة ولا تخدم روح الرياضة.
فبحسب ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الرسمية ، جاء هذا السلوك كرد فعل انفعالي على تصريحات نُسبت إلى مدرب المنتخب المصري، وُصفت بأنها نقد لاذع طال مصداقية وظروف تنظيم بطولة كأس أمم أفريقيا المقامة في المغرب. بطولة شهد لها المتابعون بتنظيم مبهر، وبنية تحتية متطورة، وإمكانيات لوجستية وبشرية وُضعت بسخاء لإنجاح الحدث القاري. وفي ظل هذا الإجماع الواسع، بدا للبعض أن النقد خرج من إطاره الرياضي المشروع، لينزلق نحو تعميمات تمس صورة بلدٍ مضيف بذل جهدًا واضحًا ليكون في مستوى تطلعات القارة.
لكن، هل يبرر هذا السياق المساس بالرموز الوطنية؟ قطعًا لا. فالنشيد الوطني ليس مدربًا ولا تصريحًا عابرًا، بل هو اختزال لتاريخ شعب وكرامة أمة. والرياضة، مهما بلغت سخونتها، لا تمنح شرعية لتجاوز هذا الخط الأحمر. في المقابل، لا يمكن أيضًا اختزال جماهير كاملة في سلوك فئة، ولا تحويل لحظة انفعال إلى حكم أخلاقي دائم على شعب بأكمله.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في تصفير هنا أو تصريح معزول هنا وهناك، بل في هشاشة ثقافة الاختلاف داخل الفضاءات الرياضيه عموما والفضاء الأفريقي بشكل خاص . عندما يعجز الفكر عن إدارة النقد (لا الانتقاذ) ، يفسح المجال للسخرية والفوضى. وعندما يغيب الخطاب المسؤول، تتسع الهوة بي الشعوب(هذا إذا افترضنا وجود شعوب عوض سكان بالمعنى الفلسفي لان الشعب ليس مجرد وجود في المكان، بل انتماء. ومعنى ومصير مشترك. ) بدل أن تضيق
ما يجمع الدول الأفريقية أكبر بكثير مما يفرقها. تشترك في تاريخ من النضال، وفي تحديات تنموية متشابهة، وفي طموح جماعي لانتزاع مكانة تليق بها على الساحة العالمية. والبطولات القارية ليست سوى منصة لإظهار هذا التلاحم، لا ساحة لتصفية الحسابات الرمزية أو تصدير الأزمات الخطابية.
إن نجاح بطولة تُنظم في بلد أفريقي هو نجاح للقارة بأكملها، وفشلها إخفاق جماعي. والمنتخبات، مهما تنافست فوق المستطيل الأخضر، تبقى سفراء لشعوبها، مطالبة بضبط الخطاب كما يُطلب منها ضبط الأداء. فالكلمة، مثل الهدف، قد تغيّر مجرى المباراة، لكنها قد تغيّر أيضًا صورة أمة بأكملها.
الرياضة في قارتنا تحتاج اليوم إلى أكثر من ملاعب حديثة وتنظيم محكم؛ تحتاج إلى وعي جماعي بأن الاحترام المتبادل ليس من باب الترف ألاخلاقي ، بل شرط أساسي لبناء قارة ترى في تنوعها مصدر قوة، لا وقودًا للصدام و السخرية.