عبدالحميد البجوقي: إبراهيم دياز واللعب على حافة الانتماء

عبدالحميد البجوقي: إبراهيم دياز واللعب على حافة الانتماء عبدالحميد البجوقي وإبراهيم دياز

بات إبراهيم دياز واحدًا من أبرز نجوم كرة القدم المتألقين في القارة الإفريقية، بعد قراره التاريخي بارتداء قميص المنتخب المغربي في المسابقات الكبرى. دياز ولد في مدينة مالقة الإسبانية من أب مغربي وأم إسبانية، ويحمل الجنسيتين ، المغربية والإسبانية، لكنه اختار تمثيل  المغرب على المستوى الدولي بعد سنوات من تمثيله منتخبات الفئات العمرية الإسبانية.  لماذا وكيف؟

في ملاعب الكرة، كما في الروايات الكبرى، لا تُكتب الحكايات بالحبر وحده بل بالاختيارات وبما يُقال همسًا أكثر مما يُقال جهرًا. إبراهيم دياز لم يدخل تاريخ الكرة الإفريقية من باب الأهداف فقط، بل من باب السؤال المقلق: "لمن ينتمي اللاعب حين تتنازعه الجغرافيا، ويُربكه الأصل وأحياناً تُربك الدول ذاكرتها حين تخطئ التقدير؟

كان دياز، وهو يخطو خطواته الأولى في ملاعب إسبانيا يشبه موهبة موضوعة على الرفّ، جميلة لكن غير مُلحّة. في بلد يُجيد صناعة النجوم بدا أن اسمه لا يثير الاستعجال، كأن في ملامحه ظلًّا غير مرغوب فيه أو كأن جذوره المغربية جعلت الانتظار قدره الطبيعي.

إسبانيا التي احتفت بغيره بسرعة الضوء، تركته يتعلّم الصبر على مهل، ثم فوجئت يومًا بأنه قرر أن ينظر إلى الجنوب، إلى حيث الذاكرة أكثر دفئًا وحيث القميص يُلبس بالقلب قبل الجسد.

حين ارتدى قميص “أسود الأطلس”، لم يكن ذلك مجرد تغيير ألوان بل انقلاب سردية رياضية بعُمق الشعور بالانتماء.. فجأة صار دياز “نجمًا إفريقيًا”، وصار الاحتفاء به مضاعفًا، كأن المغرب عوّضه عن سنوات من التردد الإسباني.

في المُدرجات، رُفع اسمه باعتباره ابن البلد العائد وفي الإعلام، قُدّم كدليل على حكمة الاختيار وعلى قدرة المغرب على استعادة أبنائه الموزعين بين المنافي الناعمة.

لكن الرواية، كما نعلم، لا تخلو من عقدة. الهتاف نفسه الذي يصعد سريعًا، قد يهبط أسرع. اليوم يُحتفى به كبطل، وغدًا ـ إن أخطأ تمريرة أو ضيّع فرصة ـ قد تبدأ الأسئلة الصغيرة في الظهور، أسئلة لا علاقة لها بالكرة، أسئلة عن “الانتماء الكامل” وعن “الروح” وربما، في لحظة سوء نية عن ديانته، كأن الإيمان يُستدعى فقط عند الإخفاق لا عند التألق. هكذا تفعل المجتمعات أحيانًا مع أبنائها المختلفين، تُحبهم حين ينتصرون وتفتش في هوياتهم حين يسقطون.

أما إسبانيا فتراقب من بعيد، تُشيد بأناقته في اللعب وتتباهى بأنه “صُنع في الليغا”، لكنها لا تقول بصوت عالٍ إنها فرّطت فيه. لا أحد يحب الاعتراف بأن الموهبة أحيانًا تُضيعها الحسابات الضيقة أو الصور النمطية التي لا تُكتب في القوانين، لكنها تُمارس في الاختيارات.

إبراهيم دياز اليوم يقف في منتصف الجسر بين ضفتين، ضفة ربّت موهبته لكنها لم تحتضنه تمامًا وضفة احتضنته لكنها قد تختبره بقساوة إن تعثّر. وفي هذا التوازن الهش، تتجلى قصته كمرآة لكرة القدم الحديثة، لعبة تتحدث عن العالمية لكنها لا تزال أسيرة الأسئلة القديمة عن الأصل والهوية ومن يملك حق الانتماء الكامل "النقي الأصيل".

ربما أجمل ما في حكاية دياز أنها لم تنتهِ بعد، ما زال إبراهيم يكتب فصولها بقدمه ويحاول أن يسبق الأحكام بأهدافه. أما نحن، فنقرأ قصته ونعرف أن النجم الحقيقي ليس من لا يخطئ، بل من يواصل اللعب رغم معرفته بأن الحب في الملاعب ـ كما في الحياة ـ مشروط ومتقلب وقابل للنسيان..