بسبب أطماعه لقضم غرينلاند: الدانماركيون للرئيس ترامب.. الجغرافيا ليست غنيمة سياسية

بسبب أطماعه لقضم غرينلاند: الدانماركيون للرئيس ترامب.. الجغرافيا ليست غنيمة سياسية كوبنهاغن تحتج ضد أطماع ترامب في غرينلاند

شهدت شوارع كوبنهاغن( عاصمة الدنمارك)، يوم السبت 17 يناير 2026، حدثا يتجاوز كونه وقفة احتجاجية عابرة، ليصبح تعبيرا سياسيا وأخلاقيا عميقا عن وعي أوروبي يتجدد تجاه معنى السيادة وحدود القوة.

خروج الدنماركيين رفضا لمساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسيطرة على جزيرة غرينلاند ليس حدثا محليا، بل رسالة موجهة إلى العالم مفادها أن زمن التعامل مع الجغرافيا كغنيمة سياسية لم يعد مقبولا.

 

غرينلاند ليست قطعة أرض معروضة في مزاد القوة، ولا ورقة تفاوض في لعبة الأمم الكبرى. هي أرض لها شعب، وهوية. حين ترفع في كوبنهاغن لافتات تندد بالهيمنة الأميركية وبالنزعة الاستعمارية المقنّعة بلغة المصالح الاستراتيجية، فإنها تفضح جوهر تفكير لا يزال يرى العالم من منظور التوسع والسيطرة، لا من منظور الشراكة والاحترام المتبادل.

 

ما يلفت في هذه الاحتجاجات ليس فقط رفضها لشخص ترامب أو لإدارته، بل رفضها لفكرة أعمق: فكرة أن القوة العسكرية أو الاقتصادية تخوّل دولة ما أن تمد يدها على حساب الآخرين. الكلمات القوية التي صدحت بها الحناجر في العاصمة الدنماركية تعكس إدراكا بأن الاستعمار لا يموت، بل يغيّر لغته وأدواته، وأن مقاومته تبدأ برفض تطبيعه.

 

في عالم يدّعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، يصبح من التناقض الفاضح أن تُطرح سيادة الشعوب كصفقة محتملة. لذلك، فإن وقفة كوبنهاغن يمكن قراءتها كدفاع عن النظام الدولي نفسه، عن فكرة أن الدول ليست عقارات، وأن الشعوب ليست أرقاما في حسابات النفوذ.

 

ربما لا تغير هذه الاحتجاجات مسار السياسات الأميركية مباشرة، لكنها تذكر بأن الشارع لا يزال قادرا على قول “لا”، وبأن الذاكرة التاريخية للشعوب الأوروبية، التي ذاقت مرارة الحروب والتوسع الإمبراطوري، لم تفقد حساسيتها تجاه أي رائحة استعمار، مهما كان مصدرها أو مبررها.

 

في النهاية، ما حدث اليوم في كوبنهاغن هو أكثر من رفض لسياسة عابرة، إنه تأكيد على أن الكرامة الوطنية لا تُشترى، وأن السيادة ليست موضوعا للتفاوض، وأن العالم، رغم كل اختلال موازينه، لا يزال قادرا على إنتاج أصوات ترفض منطق الهيمنة وتدافع عن حق الآخرين في أن يكونوا أسياد أرضه.