أحمد فردوس
من البديهي أن الأسودُ لا يُنازعها أحد في عرينها في قمم الجبال الشّامخة، ومن المعلوم أن الإبل لا تتيه في صحرائها ولا تفقد بوصلة المسير فوق الرمال الذهبية. وبطبيعة الحال، أن الخيول العربية البربرية لا تقبل الذلّ ولا المهانة، ولا تؤمن بالهزيمة.
إنها تشكيلة ربّانية ملقّحة بجينات الشّهامة والعراقة والأصالة، التي اجتمعت في الدّم المغربي النقيّ والطّاهر، الذي يسْري في عروق لاعبي الفريق الوطني، المميزين و "الشّجعان" رفقة قائد زمرتهم المرعبة والرّهيبة حين تزأر ساعة الحسم وتنقض على الفريسة بروح رياضية.
من الطبيعي أن تفرز هذه الموهبة الربّانية عبر العصور التاريخية، هذا الإنسان المغربي المتفرد ـ الذي عَمَّرَ بجبل إيغود أكثر من 350 ألف سنة ـ والذي اختلطت فيه كل مقومات الإقدام والبسالة والقوة والصبر والعزيمة والقدرة والتحمل.
أمام هذا المنجز العظيم والإشراقات السّاطعة التي حققها منتخبنا المغربي أمام العالم من البحر إلى البحر، في قلب هذه النسخة المثالية من تنظيم كأس أمم إفريقيا بعقل مغربي خالص ووفيّ لانتمائه الجغرافي والتاريخي، أجزم القول بأن المدرب الوطني "وَلِيدْ" من هذه الفصيلة الآدمية التي أنتجها المختبر الوطني، رفقة "وْلِيدَاتُو" من شباب تربة هذا الوطن العظيم.
"التَّسْلِيمْ" لِـ "رْجَالْ رَكْرَاكَةْ لَحْرَارْ"
بعد هذه الحصيلة المشرقة بمنجزاتها المتنوعة، ومنذ انطلاق صافرة "كان 2025"، وبدون تردّد، اعتبر أن لقب "الرَّكْرَاكِي" فأل خير في ميدان كرة القدم الوطنية منذ أن تحمل مسؤولية انتقاء مكونات منتخبنا الوطني وتجهيزه وإعداده لكل المنافسات العالمية والقارية والعربية والإفريقية. إنه فعلا نموذج الناخب الوطني الذي شقّ مسار مشواره التدريبي بعزيمة وصبر ويقين. كيف لا، وهو الذي تسلّم بقدرة عزيمة وإرادة مفاتيح أبواب النِّيَّةْ والتِّيسِيرْ والْبَرَكَةْ من شرفاء رجال رَجْرَاجَةْ: "انْتُمَا رَكْرَاكَةْ لَحْرَارْ تْحَكْمُوا فِ كُلْ غَدَّارْ".
الرَّكْرَاكِي مهندس صياغة خرائط النصر وصناعة الفرح
"قَلْبُ الْأَسَدِ" الكوتش الرَّكْرَاكِي، حين يخرج للحديث والكلام، بلكنته الجميلة، وكلماته المتقطّعة بلسان لغتنا المغربية الدّارجة الممزوجة بلغة موليير الفصيحة، يُسْكِتُ الجميع حين يُطلِقُ من منصة التصريحات المرتجلة صواريخ تدمير خنادق رمال النّقد الهدّام التي يحتمي خلفها بعض حملة ميكروفونات وأقلام السّراب التي تقتات من حِبْرِ مِحْبَرَة فيافي صحراء الثلث الخالي. مقابل ذلك وبثقة كبيرة في النفس، وفي المؤسسات ذات الصلة بالرياضة والتكوين وصياغة القرارات، يعيد الرجل صياغة خرائط النصر ميدانيا قولا وفعلا. فيكون "الرَّكْرَاكِي" مهندس اللعبة، سببا في صناعة السعادة، ويلهب مشاعر الشّارع المغربي بنداء الوطن، حيث يمتد الفرح إلى حيث ما وجد مغاربة العالم مدثرين براية الوطن.
المدرب وليد، لا يخاف من قول الحقيقة لومة لائم، يفجر بصراحته التلقائية عبر القنوات التلفزيونية حين يطلّ على الملأ بفروة رأسه اللَّامعة ـ أعشق فاكهة لافوكا حد الجنون ـ ولا يبالي لحطام الشظّايا التي تتطاير بلا حدود هنا وهناك، وتسقط أقنعة البعض، وحتما تصيب وجوه من يعترض سبيل طريقه التي هندسها وخطط لها بحكمة وتبصر.
مسؤولية نبيلة وعظيمة...صعبة والشاقة يا وليد
"قَلْبُ الْأَسَدِ" الكوتش وليد، وجه مُشرق من وجوه الوطن الكبير بمنجزاته المبهرة، وهو بالطبع فرع من شجرته الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين، عيناه العسليتان تبوحان بكل أسرار الأمل والألم، لا يعرف معنى اليأس والإحباط. هنا والآن تُحدِّثُنا أهداب رموش عينيه التي تزيّن نظرته المستقبلية الواعدة مثل أغصان النخيل الباسقة في واحاتنا الخصبة.
على جبين الرجل كتبت صفحات مشرقة، موسوم بإنجازات النصر عبر مسارات خرائط البلاد والعباد في ميدان المربع الأخضر. بشخصيته اليقظة مثل "حمار الوحش" كان ومازال يصغي للتمرد المفاجئ وشغب المحبين والعشاق. بأذنيه المنتصبتين يستشعر تفاصيل أحاسيس عشاق كرة القدم المغربية، ويحلل بذهنه الصافي وقلبه الخافق نبضات الشارع الرياضي بمحلليه ومراقبيه ومتتبعيه. كم هي نبيلة وعظيمة هذه المسؤولية الصعبة والشاقة يا وليد؟
فارس بلا جواد...الجمهور وراءه والخصم أمامه والنّصر حليفه
الرَّكْرَاكِي، "عَلَّامْ الْخَيْلْ" قائد كتيبة سَرْبَةْ الشّجعان، فارس بَّارْدِي قاهر الخصم في الميدان، بدون جواد ولا مُكَحْلَةْ بَارُودْ أة سيف حسام. هو بصراحة صانع أحلام المجد والإلهام. رافع راية الوطن. ملهم جمهور ملاعب كرة القدم حين يعزف نشيدنا الوطني فيزلزل بهدير المدرجات كل الفرق أكانت من إفريقيا أو بلاد النصارى والعربان.
لن ننسى أن "الرَّكْرَاكِي" اعتمد على قيمة معنى "النِّيَّةْ" كبرهان، ففعلها في بلاد الرّوس وخلدها في أرض المشرق، وبصم عليها في وطن المغرب وسيفعلها في بلاد الأمريكان. وبقية حكاية "كَانْ يَا مَكَانْ" ترويها ألسن الرُّكبان خلال الحديث عن حصيلة بطولات رفاق دربه الذين خلدوا أسمائهم في نزالات فئات أخرى ورديفة، من عينة الشابات والشبان سواء في منافسات "الفوت سال" أو "الكان" و "الشّأن" وكذلك في "كأس العرب" كان الرهان.
نهائي كأس إفريقيا بطعم الروابط التاريخية والدينية والاقتصادية والاجتماعية
حين انتصر منتخب السينغال على الفريق المصري الذي خلد مدربه الفاشل شطحاته المقنعة التي تناقلتها كل وسائل الإعلام العالمية وافتضح أمره، وفي القوت الذي فاز باستحقاق وجدارة فريقنا الوطني على منتخب نيجيريا القوي، كانت لحظة استثنائية بحملها الثقيل، امتزجت فيها دموع اللاعبين بالفرح والسعادة، حيث تابع الجميع كيف أذرف الناخب الوطني وليد الرَّكْرَاكِي دموعه فرحا بهذا التألق الميداني وكيف حلق منتشيا بقتالية أسود الأطلس وفوزهم العظيم، أمام الجمهور المغربي العاشق لكرة القدم. حينها أدركنا جميعا هول الضغط الذي كان جاثما على صور اللاعبين وقائدهم وليد. هل ستسامح اندفاعنا وتهورنا يا وليد؟
بطبيعة الحال فإن يوم الأحد 18 يناير 2026، لا يشبه الأيام السابقة، فهو يوم الحسم والتتويج، يوم التنافس الشريف، يوم سنلتقي فيه مع إخواننا الأشقاء السينغاليين ـ الذين تركوا وسيتركون الأثر الطيب بأخلاقهم ومواقفهم وعلاقاتهم المتميزة مع الجمهور بملعب مدينة طنجة العالية ـ سنلتقي لمداعبة كرة القدم بملعب الأمير مولاي عبد الله، وصناعة الفرجة بلمساتها وتمريراتها الساحرة، وإبراز المهارات، وإظهار قيمة الصبر والقدرة والتحمل، وصياغة ملحمة النصر التي ينتظرها الملك والشعب.
عاشت السينغال. عاش المغرب. عاشت إفريقيا
وختام هذا الكلام مقتطف من رسالة الوزير السابق في الحكومة السينغالية "أمادو كاني" الذي قال: "يوم الأحد أيّا يكون الفائز، فإن إفريقيا هي المنتصرة، فليكن هذا النهائي نشيدا لصداقتنا، وبرهانا للعالم على أن أشد المنافسات يمكن أن تتعايش مع أعمق درجات الاحترام. وكما قال الشاعر السنغالي: "الثقافة لا تنقسم، بل تتشارك". ليفز الأفضل، ولتكن أخوتنا المتعززة هي الانتصار الحقيقي لهذا الأحد. عاشت السينغال. عاش المغرب. عاشت إفريقيا"