مراد علمي
في عالم يبدو منقسمًا على نفسه، تجمع كرة القدم اليوم الملايين عبر الحدود والثقافات. لكن هذه اللعبة العالمية ليست مجرد تسلية أو رياضة تنافسية فحسب، إنها مرآة تعكس تناقضات بعد المجتمعات التي لا تتمتع بحرية التعبير، حقوق الانسان، الديمقراطية، ولو كانت حتى نسبية. ففي المستطيل الأخضر، تتجلى أسمى القيم، الأخلاق والنزاهة، بينما تبرز أيضًا أسوأ مظاهر التخلف والتعصب الأعمى، حتى أسقط البعض عن بيته معاني الطهارة، كثيرا ما تقدم كرة القدم نموذجًا مصغرًا للمجتمع المثالي القائم على قيم أخلاقية راقية ونبيلة. ففكرة "الفريق" بحد ذاتها تشجع على التعاون والتضامن وتذوب الفردانية والانانية.
كما أن مبدأ الروح الرياضية المتجسد في مصافحة الخصم قبل المباراة وبعدها، والاعتراف بالأخطاء، واحترام القرارات التحكيمية حتى عندما تكون غير موضوعية وقاسية، كلها قيم أخلاقية تتجاوز حدود الملعب. وفي هذ السياق تحديدا، هناك العديد من القصص الشهيرة لبعض لاعبي كرة القدم الذين اعترفوا بتسجيل هدف باليد ثم أبلغوا الحكم عنه طواعية، على غرار ماردونا الذي زعم أنها "كانت يد الآلهة"، أكيد أن هذه الاخلاق الراقية تذكرنا بأن النزاهة أحسن بكثير من الفوز، ولكن أن تهين رمزا من رموز القارة الأفريقية فهذا السلوك مقرف وغير مقبول بتاتا.
ضروري أن نذكر أيضا أن كرة القدم تكشف في كثير من الحالات عن هشاشة بعض الأنظمة التعسفية التي تتفنن في شحن مجتمعاتها بالبروباكاندا العمياء ودعمها للعنف بين اللاعبين حتى حولوا الملعب إلى ساحة حرب بدل ساحة للفرجة والاستمتاع البريء، هذه السلوكيات المشينة تتعارض من منظور جوهري مع الروح الرياضية، وهي في الأساس التي تحول اللاعب من شريك شريف في اللعبة إلى "عـْـسيكــْـري"، منبطح إلى أوامر الغير ولا يمتلك استقلالية القرار، إن صح التعبير إلى "أسير نظام سياسي قمعي"، وليس إلى سفير محبوب ومحترم لبلاده.
يمكن اعتبار لعبة كرة القدم بسيطة في قواعدها، ولكن معقدة في دلالاتها. في ملعب كرة القدم، نرى تجسيدًا للصراع الأبدي بين النزاهة والميوعة، بين المحلي والعالمي، الاستقامة والتسيب، الالتزام والانفلات، المعنى والفراغ، العقل والتوحش، كما هي مساحة يلتقي فيها الفرح، المتعة والقيم الإنسانية النبيلة، ولا زالت كرة القدم ليومنا هذا مقرونة بالنزاهة، العدل والاحترام المتبادل، قبل وبعد المباراة، وجوهر اللعبة ظاهر للعيان بجلاء ولا يقتضي أي تفسير إضافي، حيث يرتكز على تكافؤ الفرص والتحكيم العادل والمنصف.
غير أن هذه اللعبة تفسد أجواؤها لما تطغى عليها الرغبة في الفوز بأي وجه كان، وهكذا تفقد اللعبة بريقها وبعدها الأخلاقي لما تخترق عمليات التحايل والعنف اللفظي والجسدي الملعب، لا على عشبة الملعب فحسب، ولكن حتى على المدرجات كذلك، حيث يؤدي هذا الصراع إلى تصرفات مذمومة وفريدة تتجاوز كل الحدود المعترف بها، مع العلم أن جميع ملاعب كرة القدم في الدول المتقدمة تتوفر اليوم على كاميرات المراقبة، وأي قصور صدر عن شخص ما إلا وتعاملت معه الأجهزة المعنية بالأمر بكل صرامة، جدية واحترافية، الروح الرياضية، كما كانت وستظل، المعيار، البوصلة الوحيدة التي تضمن للمنافسة الشريفة شرفها، بريقها وقيمتها الاعتبارية، حيث ستحول دوما الخصم المفترض إلى شريك حقيقي في لحظات المتعة والإنسانية المشتركة.