الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية.. حين تتحول الثقافة إلى قوة ناعمة تسند السيادة

الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية..  حين تتحول الثقافة إلى قوة ناعمة تسند السيادة عيسى بابانا العلوي، رئيس الإتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتداخل فيه خرائط المصالح والنفوذ، لم تعد الدبلوماسية شأنا رسميا محضا، ولا حكرا حصريا على الفاعلين الحكوميين، بل أضحت مجالا مفتوحا لتكامل الأدوار وتلاقح المبادرات واستنفار الطاقات الحية للأمم. وفي هذا السياق المتحول، يبرز المجتمع المدني باعتباره رافعة ديمقراطية أصيلة وفاعلا إستراتيجيا قادرا على النفاذ الى العمق الانساني والثقافي للسياسات الخارجية، ومجالا رحبا لتكريس ممارسة دبلوماسية موازية واعية ومسؤولة. وهو ما يلتقي مع تصور إيمانويل كانط حين إعتبر أن السلام الدائم لا يصنع فقط بالمعاهدات، بل بتشكيل وعي أخلاقي كوني، يجعل من العقل العمومي أداة للتقارب بين الشعوب لا للتناحر بينها.
من هذا الافق بالذات، ومن رحم وعي وطني عميق بتحديات المرحلة ورهاناتها، أعلن إلى الوجود قانونيا وفعليا منذ عدة أشهر الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية (Fédération Marocaine pour la Diplomatie Parallèle) كإطار وطني جامع يحمل على عاتقه طموح الإسهام الرصين والمسؤول في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة المغربية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، عبر أدوات ناعمة تستند إلى المعرفة والثقافة والحوار والترافع الذكي، ومن خلال دبلوماسية موازية واعية ومنظمة ومؤسساتية. إنه ميلاد فاعل دبلوماسي جديد جعل من الانتقال من الفكرة الى البناء شعارا وممارسة، مجسدا ما ذهب إليه يورغن هابرماس حين ربط قوة الفعل السياسي بقدرة الخطاب العقلاني على الإقناع داخل الفضاء العمومي.
ليس الإتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية (FMDP)  مجرد هيكل جمعوي إضافي في مشهد مدني مزدحم، بل هي مشروع دبلوماسي ثقافي استراتيجي يستبطن تحولات العلاقات الدولية، ويستوعب منطق القوة الناعمة، ويؤمن بأن المعركة من أجل صورة المغرب ومصالحه وقضاياه العادلة تخاض اليوم بالكلمة كما تخاض بالموقف، وبالمعرفة كما تخاض بالتحالفات. فالدول، كما يقول أنطونيو غرامشي، لا تفرض هيمنتها بالقوة العارية فقط، بل عبر بناء تصور للعالم يجعل خطابها مقبولا ومشروعا في وعي الآخرين.

ومن هنا تنطلق قناعة الإتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية  بأن صورة الدول لم تعد تصنع فقط في أروقة القرار الرسمي، بل أيضا في فضاءات الفكر والإعلام والجامعة والمجتمع المدني، وأن القضايا العادلة تحتاج إلى من يحملها بلغة العالم وأدواته ورهاناته.
من هذا المنطلق جاء الإتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية إستجابة لحاجة موضوعية، هي حاجة المغرب إلى جبهة مدنية دبلوماسية تتحرك بمرونة المجتمع المدني، وتتكئ على شرعية الكفاءة، وتتكامل لا تتقاطع مع الدبلوماسية الرسمية، في انسجام تام مع الثوابت الوطنية والاختيارات السيادية للدولة المغربية. وهو منطق يذكرنا بإبن خلدون حين قرر أن العمران لا يقوم بالقهر وحده، بل بتماسك العصبية وشرعية المعنى المشترك الذي يمنح الدولة قوتها وإستمراريتها.
ويحسب لهذه المبادرة أنها ولدت على أيدي قيادات راكمت التجربة، وشقت طريقها في العمل العام بثبات ونزاهة ورؤية بعيدة المدى. في مقدمة هؤلاء السيد عيسى بابانا العلوي، رئيس الإتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية، الإسم المعروف بحضوره الوازن وإلتزامه الوطني الصادق، والذي يجمع بين وضوح الرؤية وهدوء الفعل، وبين الحس الوطني العميق والقدرة على استشراف رهانات المستقبل. فهو يجسد نموذجا للفاعل المدني الذي يدرك ان الدبلوماسية ليست صخبا خطابيا ولا إستعراضا ظرفيا، بل فن النفس الطويل وبناء الثقة وتراكم المبادرات الذكية، مؤمنا بأن خدمة الوطن تمر عبر العمل الهادئ والمؤسساتي، وتحويل الفكرة إلى فعل، والموقف إلى مشروع.
ويشاركه هذا المسار نائبته ماجدة كريمي، التي تمثل وجها مشرقا للكفاءة النسائية المغربية، بحضورها المتزن ورؤيتها المنفتحة وقدرتها على الربط الخلاق بين البعد الثقافي والبعد الدبلوماسي، إيمانا منها بأن الثقافة ليست زينة خطاب، بل اداة تاثير فعالة في عالم تصاغ فيه المواقف داخل مراكز البحث والجامعات والمنصات الفكرية قبل أن تبلغ طاولات القرار. والإشادة بهذين المسارين ليست مجاملة، بل إعتراف بأن القيادة حين تقترن بالأخلاق والخبرة تصبح ضمانة لنجاح المشروع واستمراريته.

يراهن الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية على دبلوماسية ثقافية رزينة، تتشكل من فسيفساء كفاءات تنتمي إلى مجالات متعددة، دبلوماسية تتكلم فيها الحضارة بلسان الوطن. من التاريخ الذي يمنح العمق والذاكرة، إلى القانون الذي يوفر الشرعية والحجة، مرورا بالأدب الذي يصقل الخطاب ويهذبه، والعلوم الإنسانية التي تفكك السياقات وتقرأ التحولات، وصولا إلى العلوم الدقيقة التي تعزز مصداقية المقترح وقوة الترافع. انها دبلوماسية تسير بمحاذاة الدبلوماسية الصلبة، لا تناقضها ولا تزاحمها، بل تمنحها بعدا إنسانيا ورمزيا يجعل الموقف السياسي أكثر إقناعا وقدرة على الصمود.
وقد أكدت كتابات عديدة أن قوة هذا الاتحاد لا تكمن في هامشه القانوني أو في تنوع أعضائه فحسب، بل أساسا في رهانه على الاحترافية، وفي جعل الفكر أداة فعل، والثقافة وسيلة تأثير. فكما يقول غرامشي، حين ينفصل الفكرقق عن الواقع يصبح ترفا، وحين يتجذر فيه يتحول إلى قوة تاريخية.

وفي زمن تقاس فيه قوة الدول بقدرتها على الإقناع قبل الإكراه، وعلى بناء الصورة قبل فرض الموقف، يشكل  الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية تجربة واعدة تستحق المتابعة والدعم، لأنها إختارت أن تجعل من المعرفة سفيرا، ومن الثقافة جسرا، ومن الوطن بوصلة، وحولت الانتماء من شعار إلى ممارسة، ومن العاطفة الى مشروع يخاطب العالم بثقة ووعي ومسؤولية. إنها دبلوماسية تنبع من المجتمع وتعود إليه، وتشتغل من أجل الدولة لا خارجها، فمعها يصبح الوطن فكرة تمشي على أقدام أبنائه، وذلك في حد ذاته أحد أنبل أشكال الوطنية الحديثة.