سعيد التمسماني
قد يعتقد البعض أن تساقط الأمطار الأخيرة وارتفاع نسب ملء السدود وانتعاش الموسم الفلاحي كفيلة بأن تُعيد الاطمئنان إلى النفوس وتُخفف من وطأة القلق المرتبط بندرة المياه. غير أن التدبير الرصين لا يُبنى على لحظة ارتياح عابرة، بل على وعي عميق بتقلبات المناخ، وهشاشة الموارد، واستحالة الركون إلى الصدفة.
في هذا السياق، شكل انعقاد مجلس إدارة وكالة الحوض المائي لسوس-ماسة برسم دورة 2025 بأكادير محطة دالة على هذا الاختيار الاستراتيجي: فالمطلوب ليس فقط تحيين الحسابات المالية لسنة 2024 أو مناقشة برنامج عمل وميزانية 2026، بل ترسيخ تصور شامل يعتبر الماء ركيزة للسيادة، وعنصرًا حاسمًا في الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
الأمن المائي: من منطق التدبير إلى منطق التحصين
التحولات المناخية المتسارعة، وتوالي سنوات الجفاف، واستنزاف الفرشات الجوفية، كلها عوامل فرضت الانتقال من منطق “تدبير الندرة” إلى منطق “تحصين الموارد”. لذلك، لم يعد بناء السدود مجرد سياسة تقليدية لتخزين المياه، بل أداة استراتيجية لضمان الحق في الماء، ودعم الفلاحة، وحماية المدن من الفيضانات.
في جهة سوس-ماسة، تتجسد هذه الرؤية من خلال مشاريع مهيكلة كبرى، في مقدمتها تعلية سد مختار السوسي، الذي انتقل من سعة 50 مليون متر مكعب إلى 281 مليون متر مكعب بنسبة إنجاز بلغت 77%. هذا المشروع لا يرمز فقط إلى رفع القدرة التخزينية، بل إلى إعادة هندسة العلاقة بين الماء والتنمية: ماء للشرب، وماء للسقي، وماء لاستقرار الساكنة.
وينضاف إليه سد التامري بسعة 204 ملايين متر مكعب، الذي بلغت أشغاله 88%، مع برمجة الملء الاستباقي في ماي 2026. هنا، لا نتحدث فقط عن تزويد بالماء، بل عن مشروع متعدد الوظائف: دعم الفلاحة، تأمين المدن، والحماية من أخطار الفيضانات التي أصبحت بدورها أحد وجوه الأزمة المناخية.
من السدود الكبرى إلى البنيات الصغرى: عدالة مجالية في الماء
غير أن الأمن المائي لا يتحقق بالسدود الكبرى وحدها. فالعالم القروي والمناطق الجبلية والهامشية تحتاج إلى حلول مرنة وقريبة من المواطن. لذلك، يشكل إنجاز سدود صغرى مثل لوريزي، اخفمان، وادا وكنضيف، خطوة في اتجاه عدالة مائية ترابية، تجعل الماء حقًا فعليًا لا امتيازًا جغرافيًا.
كما أن إطلاق طلبات العروض لإنجاز 14 سدًا صغيرًا في أفق 2027، واقتناء 11 محطة متنقلة لتحلية المياه وإزالة المعادن، يعكس انتقال الدولة من الحلول الثقيلة فقط إلى حلول ذكية وسريعة التدخل، قادرة على مواجهة الأزمات المحلية في الزمن الحقيقي.
تحلية البحر: من خيار تقني إلى رهان سيادي
أمام محدودية الموارد السطحية والجوفية، لم يعد البحر مجرد أفق طبيعي، بل أصبح خزانًا استراتيجيًا. توسيع محطة تحلية مياه البحر بشتوكة أيت باها لبلوغ قدرة 146 مليون متر مكعب، ثم برمجة محطة تحلية سوس-ماسة بطاقة 350 مليون متر مكعب (100 للشرب و250 للسقي)، يمثل تحولًا نوعيًا في فلسفة تدبير الماء.
التحلية لم تعد حلاً اضطراريًا، بل خيارًا سياديًا لتأمين المستقبل، حتى وإن تطلب استثمارات ضخمة. إطلاق طلبات العروض نهاية 2026 لهذا المشروع الضخم يعكس إدراكًا رسميًا بأن السيادة المائية لا تقل أهمية عن السيادة الغذائية أو الطاقية.
الماء كأمن شامل: استشراف، وقاية، وحكامة
تدبير الماء اليوم لا يقتصر على الإنتاج والتخزين، بل يشمل الوقاية من المخاطر، وتتبع الموارد، وحكامة الاستعمال. لذلك، تبرز أهمية:
إنجاز الأثقاب الاستكشافية والاستغلالية لتعميق المعرفة بالفرشات الجوفية.
اقتناء وكراء الشاحنات الصهريجية لضمان التزويد في الحالات الاستعجالية.
تفعيل اللجان الجهوية والإقليمية للماء لتتبع الوضعية المائية ميدانيًا.
تطوير مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة لسقي المساحات الخضراء وتخفيف الضغط على الموارد التقليدية.
وفي بعده الوقائي، يندرج إعداد برنامج “أطلس” للمناطق المهددة بالفيضانات، بدعم من وزارة الداخلية وصندوق محاربة الكوارث الطبيعية، في إطار الانتقال من سياسة “تدبير الكارثة” إلى سياسة “منع الكارثة”.
الخلاصة: حين تكون الأمطار نعمة… لا مبرر للتراخي
إن الأمطار التي شهدها المغرب مؤخرًا نعمة حقيقية، لكنها لا يجب أن تتحول إلى ذريعة للنسيان أو الاطمئنان الزائف. فالدول القوية هي التي تُخطط في زمن الرخاء لما قد يأتي في زمن الشدة. وما يجري اليوم في سوس-ماسة، وفي مختلف جهات المملكة، هو ترجمة عملية لرؤية ملكية تعتبر الماء قضية وجود، لا ملفًا قطاعيًا.
هكذا، يصبح الأمن المائي ليس فقط سياسة عمومية، بل مشروعًا وطنيًا طويل النفس، يقوم على الاستباق، والتنوع في الحلول، والعدالة المجالية، وربط الماء بالتنمية والاستقرار. وفي زمن الاضطراب المناخي، من يملك رؤية في الماء، يملك مفاتيح المستقبل.