أنور الشرقاوي
كل تشابه بين هذه الوقائع أو الشخصيات وبين أشخاص حقيقيين أو أحداث جرت في الواقع، هو حقيقة محضة .
كان ذلك في بداية ظهيرة صيفية،
من تلك اللحظات التي يبدو فيها الضوء وكأنه يعلّق الزمن في منتصف الطريق.
كانت الشمس تنساب بهدوء على واجهات حيّ بطانة بسلا، والحرارة تجعل الهواء يرتجف كسرابٍ يشبه الحلم أكثر مما يشبه الواقع.
كان الطبيب الشاب يقود سيارته الصغيرة، بيجو 205، متواضعة،.تشبه حياته تمامًا: بسيطة، بلا ادّعاء.
وفي منحدر الطريق " عقبة بطانة" ، لمح وجهًا مألوفًا. رجل يعرفه، يسير إلى جانب امرأة صامتة، رأسها منحنٍ قليلًا كأنها تحمل سرًا أثقل من قدرتها على الكلام. خمن انها زوجته.
بدافع القلب والإحترام، أوقف السيارة. قال بهدوء:
— تفضّلا، أوصلكما إلى الرباط إن كانت وجهتكما هناك.
تبادلا ابتسامة خجولة، ثم صعد الرجل إلى المقعد الأمامي والمرأة جلست في المقعد الخلفي.
تحرّكت السيارة من جديد، وكان الصمت في البداية وديعًا، لكنّه سرعان ما صار ثقيلاً، كأن في الهواء اعترافًا يبحث عن شجاعة الخروج.
تسلّلت الحقيقة إلى داخل السيارة كما تتسلّل الأسرار التي لا يُحتمل حملها طويلًا.
كانا ذاهبين إلى الرباط.
ليس لنزهة، ولا لزيارة مجاملة،
بل إلى عيادة.
ارتجف صوت الزوج قليلًا وهو يشرح. لديهما طفل ، صبيّ.
وضيق العيش كان يضغط على أيامهما كما تضغط اليد على القلب.
صارت أحلامهما حذرة، مقنّنة، خجولة. وكان طفل آخر يبدو لهما كعاصفة إضافية في بحر لم يهدأ بعد.
كان الطبيب يصغي، يداه ثابتتان على المقود. لم يفرض رأيًا، لم يُصدر حكمًا، لم يُلقِ موعظة.
تكلّم فقط.
بكلمات قليلة، صادقة. كلمات رجل يؤمن بهشاشة الحياة، ويؤمن بقوة الأقدار حين تقرّر أن تفاجئنا.
تحدّث عن أطفال يولدون في الخوف، لكنهم يكبرون في الضوء.
عن حيوات نعتقد أنها مستحيلة،
ثم تصبح يومًا ما أسبابًا للأمل.
وذكّر بأن صعوبات اليوم ليست دائمًا سلاسل الغد.
تابعت السيارة طريقها، وفي قلب الزوجين بدأ شيء ما يهتزّ…
لا خوفًا هذه المرة، بل تردّدًا جميلًا اسمه: الرجاء.
في الرباط أنزلهما الطبيب. شكراه بإيماءة بسيطة. ثم مضى في طريقه، غير مدرك أن هذا المشوار القصير قد يكون غيّر مسار حياة كاملة.
مرّت السنوات. والزمن، كما يفعل دائمًا، اشتغل بصمت، وبصبر.
وذات يوم، في شارع من شوارع الرباط، التقى الطبيب بالزوج.
كان قد تغيّر قليلًا. زاد الشيب في شعره، لكن في عينيه سكن نور جديد.
أوقفه وقال:
— حكيم… أتتذكّر ذلك اليوم في سيارتك؟
أومأ الطبيب على مهل.
ابتسم الرجل وقال:
— كلماتك جعلتنا نغيّر رأينا.
عدنا أدراجنا، ولم ندخل العيادة.
احتفظنا بالطفلة.
توقّف لحظة، كمن يتذوّق ذكرى لا يريد لها أن تنتهي.
— اليوم، صارت شابة. جميلة. قوية. مكتملة. تدرس، تحلم، تبني حياتها.
وفي كل مرة أنظر إليها، أقول في نفسي: أحيانًا، رحلة قصيرة في سيارة تكفي لتغيّر مصير إنسان بأكمله.
ظلّ الطبيب صامتًا.
في عينيه لم يكن هناك زهو ولا انتصار، بل ذلك الشعور العميق والهادئ الذي يزورنا حين ندرك
أن الحياة، أحيانًا، تستعملنا مجرد رسلٍ للأمل.
في ذلك اليوم، عند منحدر في حيّ بطانة، كانت حكاية كان يُفترض أن تنتهي قبل أن تبدأ قد وجدت الشجاعة لتولد. واليوم، تلك الطفلة التي ظنّوها مستحيلة صارت امرأة مكتملة.
دليلٌ صامت على أن بعض القرارات، حتى وسط الفوضى، قادرة على أن تنير عمرًا كاملًا.