عبد الهادي فؤاد: صناعة الفشل

عبد الهادي فؤاد: صناعة الفشل عبد الهادي فؤاد

أضحت إزدواجية المعايير واحدة من أكثر أنماط التفكير شيوعا. فعندما يكون الفوز حليفنا، تتحول المباراة إلى درس في.النزاهة ووووو، ويُشاد بالتحكيم، وتُرفع شعارات الشفافية والاستحقاق. أما حين يتفوق الآخر، فجأة تنقلب القيم(شرك القيم) ، ويصبح الفوز نتيجة مؤامرة، والحكم مرتشٍ، والاتحاد فاسد، والخصم مدعومًا بقوى خفية لا تُرى إلا عند الهزيمة. هكذا تُختزل الهزيمة في “نصب واحتيال”، ويُعفى العقل من عناء المراجعة والنقد.

ليست نظرية المؤامرة في ذاتها مشكلة؛ فهي في أصلها موقف نقدي مشروع، نشأ تاريخيًا لكشف علاقات القوة الخفية والفساد المنظم. لكن للمؤامرة شروطها: قرائن، سياق، تماسك منطقي، واستعداد لتحمل مسؤولية القول. ما نراه اليوم ليس تفكيرًا نقديًا، بل كسلًا معرفيًا؛ إطلاقٌ للكلام على عواهنه، وهروبٌ جماعي من سؤال بسيط لكنه مؤلم: ماذا فعلنا نحن؟ وأين أخطأنا؟ وما الذي ينقصنا؟

التجربة المغربية في كرة القدم خلال السنوات الأخيرة تقدّم مثالًا فاضحًا يفضح هذا النوع من التفكير. فالنتائج التي تحققت لم تكن صدفة، ولا هبة من تحكيم أو مجاملة من منظومات كروية عالمية. إنها ثمرة عمل قاعدي طويل النفس: تكوين، بنية تحتية، تخطيط، صبر، واستثمار في الإنسان قبل النتائج. إنكار هذا المسار لا يصدر إلا عن جاحد، أو عن عقل أسير لفكرة أن العالم لا يعترف إلا بنا، وأن تفوق غيرنا إهانة شخصية تستوجب الاتهام لا الفهم.

هنا نصل إلى جوهر المعضلة: عقلية “إما أنا أو لا أحد”. هذه العقلية لا تُنتج إلا العداء للواقع. فهي لا ترى في نجاح الآخر فرصة للتعلم، بل مؤامرة للإقصاء. لا ترى في التفوق المختلف مرآة لقصورها، بل طعنًا في استحقاقها الوجود. وبهذا المنطق، يصبح الفشل قدرًا مؤجلًا، لأن الاعتراف بالخطأ شرط أولي لأي نهوض.

الفلسفة تعلمنا أن الحرية تبدأ بالمسؤولية. من يفسر كل هزيمة بالمؤامرة، يتخلى طوعًا عن حريته في الفعل والتغيير. فهو لا يحتاج إلى إصلاح المؤسسات، ولا إلى تطوير التكوين، ولا إلى مراجعة الذهنيات؛ يكفيه أن يشير بأصبع الاتهام. لكن الأمم لا تُبنى بالأصابع المرفوعة، بل بالعقول المنحنية على العمل.

إن تخلفنا في شتى المجالات ليس لغزًا غامضًا، ولا نتيجة تآمر كوني دائم، بل ثمرة تراكم طويل لثقافة تكره النقد الذاتي، وتقدّس الأعذار، وتخشى المقارنة الصادقة. كرة القدم ليست سوى مرآة مكبرة لما نحن عليه: نحب الانتصار، ونكره أسبابه؛ نلعن الهزيمة، ونرفض دروسها.

الخلاصة أن الخروج من وهم المؤامرة لا يعني السذاجة أو تبرئة العالم، بل يعني النضج. النضج الذي يدرك أن الاعتراف بتفوق الآخر لا ينتقص منا، بل يفتح أمامنا أفق التعلم. وأن الشفافية ليست شعارًا نرفعه عند الفوز، بل مبدأ نحتكم إليه خصوصًا عند الخسارة. بدون ذلك، سيستمر النباح!!! في الم، بينما يواصل الآخرون البناء في صمت.
أليس منكم رجل رشيد؟ش