خالد المروني، محام بهيئة القنيطرة، رئيس نقابة المحامين بالمغرب
ارتأينا بسط أهم الملاحظات المرتبطة بالمقتضيات الماسة باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع الواردة في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة كالتالي:
الملاحظة الأولى: بشأن تعريف المهنة:
نصت المادة الأولى من المشروع على أن "المحاماة مهنة حرة، مستقلة...تساهم المحاماة في تحقيق المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء".
والملاحظ أن هذه الصيغة تراجعت عما تضمنته مسودة المشروع المعد من طرف وزارة العدل (صيغة 20 و21 يناير 2023)، التي كانت تنص على أن المحاماة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة العدالة.
واعتباراً لكون اللغة بطبعها حمالة أوجه وقابلة لكثير من الاستخدام غير النزيه، فإنه من المهم أن ندرك كون لغة النص القانوني بكافة عباراتها ما هي إلا تجليات لخطاب المشرع ونيته.
وتأسيساً على ذلك، واستحضاراً لعدم تمثل الغاية الدستورية من دسترة حق الدفاع، نبادر إلى القول إن الإصرار على استخدام عبارة "تساهم" تضمر نية في التقليل من أدوار المحاماة علماً أن مفهوم المشاركة أكثر قدرة على توصيف الوضعية الحقيقية لمهنة المحاماة ضمن منظومة العدالة (وليس ضمن أسرة القضاء الواردة في المشروع).
الملاحظة الثانية: بشأن الولوج للمهنة:
نص المشروع على اعتماد نظام المباراة للولوج إلى المهنة، حيث يكتسب المترشح الذي اجتاز المباراة بنجاح صفة طالب، ويقضي فترة تكوين أساسي نظري بمعهد التكوين لمدة سنة واحدة، ثم يقضي فترة تمرين لمدة 24 شهراً، يجتاز بعدها امتحان نهاية التمرين للحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة.
والواضح من المستجدات المذكورة أن المشروع تعمد تهميش دور هيئات المحامين في تدبير المسار المتعلق بالولوج للمهنة، مكتفياً بالإشارة المحتشمة إلى استطلاع رأي مجلس هيئات المحامين بشأن تنظيم مباراة ولوج المعهد، وكيفية قضاء فترة التكوين والتمرين ونظام الاختبارات وامتحان نهاية التمرين (المادة 11)، ودون أن يكون لهذا الرأي أي تأثير فعلي على مسار الولوج للمهنة ما دام يكتسي صبغة استشارية فقط، فضلاً على أن المشروع سحب من مجالس الهيئات اختصاص تمديد فترة التمرين في حالة رسوب المحامي المتمرن في امتحان نهاية التمرين وأسنده للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل (المادة 7)، وهو ما يؤكد، ما سبقت الإشارة إليه، بخصوص بروز ملامح توجه ممنهج سمته البارزة توسيع تدخل السلطة التنفيذية في الشأن المهني، وتقليص مجال التنظيم الذاتي لهيئات المحامين.
وعلى سبيل المقارنة، فإن مراكز التكوين المهني للمحامين في فرنسا تخضع للإشراف الفعلي لهيئات المحامين، وهي من يتولى تحديد التوجهات العامة للتكوين، ومراقبة جودته، وتعيين المحامين المؤطرين، بينما يقتصر دور وزارة العدل على وضع الإطار القانوني والتنظيمي، والمصادقة على إنشاء المركز، ومراقبة احترام القوانين الوطنية.
الملاحظة الثالثة: بشأن القسم:
إن البين من مقتضيات المادة 8 من المشروع الإبقاء على صيغة اليمين كما هي واردة في القانون 28.08، رغم أنها كانت محل انتقادات ومؤاخذات عديدة، مرتكزة في مجملها على كون هذه الصيغة مستوحاة من القانون الفرنسي، وكانت تسمى بـ: "يمين الولاء" لارتباطها بسياق تاريخي مرتبط بفترة حكم نابليون بونابرت، وأنها ألغيت في فرنسا منذ 15/06/1982 بمقتضى قانون بادينتير، وتم الاقتصار ضمن صيغة اليمين على العبارات ذات الارتباط بالقيم الأخلاقية والمهنية من قبيل: الشرف والضمير والاستقلال والنزاهة والإنسانية، وهو نفس المنحى الذي استقرت عليه معظم التشريعات المقارنة.
الملاحظة الرابعة: بشأن كيفية ممارسة المهنة:
تضمن مشروع القانون رقم 66.23 عدة مستجدات تتعلق بكيفية ممارسة المهنة، والتي ارتأينا إبداء خمس ملاحظات جوهرية بشأنها كالتالي:
1- نص المشروع في المادة 26 على أنه يمكن للمحامي أن يمارس مهنته في إطار عقد شراكة مع محامٍ آخر مسجل بهيئة أخرى.
ويحسن التوضيح أن هذا المقتضى الجديد لم يكن مطلباً للمحامين، ولا يمكن بالتالي اعتباره استجابة مباشرة لحاجة مهنية، علماً أن الممارسة المهنية مستقرة على التعامل مع هذا الوضع في إطار اختيار محل للممارسة مع محامٍ أو شركة مدنية مهنية في هيئة أخرى.
كما تطرح هذه المادة عدة إشكالات تتعلق بتحديد النقيب المختص في مسطرة تحديد الأتعاب، وفي تلقي الشكايات...، وكذا تحديد مجلس الهيئة المختص بمباشرة المسطرة التأديبية، خاصة وأن الأمر يتعلق بمحامين مسجلين بهيئتين مختلفتين، وأن إسناد الاختصاص لنقيب ومجلس الهيئة المسجل بجدولها كل محامٍ، من شأنه صدور مقررات متناقضة في نفس النازلة.
2- نصت المادة 26 من المشروع على أنه يمكن للمحامي إبرام عقد تعاون مع محامٍ أجنبي أو شركة مهنية أجنبية للمحاماة.
ويعتبر هذا المقتضى الجديد تفافاً صريحاً على باقي مقتضيات المشروع التي اشترطت في المترشح لمهنة المحاماة أن يكون من مواطني دولة تربطها مع المغرب اتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين بممارسة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى، مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل، واجتياز اختبار لتقييم معرفتهم بالقانون المغربي قبل البت في طلباتهم (المادتين 5 و12 من المشروع).
كما نصت المادة 28 من المشروع على أن عقد التعاون يعرض على النقيب المختص من أجل التأشير عليه، وهو ما يعني عملياً التراجع عن مسطرة الترخيص المكرسة في القانون ساري النفاذ، وسحب هذا الاختصاص من مجلس الهيئة، والاكتفاء بمسطرة التأشير من طرف النقيب الذي أريد له التحول إلى القيام بمهام إدارية تقنية صرفة تحت إشراف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
3- نصت المادة 35 من المشروع على إمكانية الإذن من طرف وزير العدل، لمكتب محاماة أجنبي لا يرتبط بلده الأصلي باتفاقية مع المغرب بممارسة مهام المهنة، شريطة أن يكون مرتبطاً بعقد مع شركة أجنبية لها بالمغرب مشروع استثماري أو صفقة.
ويعتبر هذا المقتضى بدوره تفافاً صريحاً على مقتضيات المادتين 5 و12 من المشروع وفق المبين أعلاه، واستيلاء على اختصاصات النقيب ومجالس الهيئات بشأن تدبير الانخراط في المهنة، وممارسة مهامها.
كما تضمنت المادة 35 مقتضىً فريداً يتعلق بكون وزير العدل هو من يأذن لمكتب المحاماة الأجنبي بممارسة مهامه بالمغرب، بينما نقيب الهيئة المسجل بدائرة نفوذها المحامي الأجنبي هو من يقع على عاتقه وجوب إشعار وزير العدل بانتهاء صلاحية الإذن الصادر عن هذا الأخير.
كما تطرح المادة المذكورة عدة إشكالات مرتبطة بقانون المحاماة الذي سيخضع له المحامي الأجنبي: هل القانون المغربي أم قانون بلده الأصلي؟
وفي حالة الإخلال بالنصوص القانونية والتنظيمية: هل يخضع المحامي الأجنبي للسلطة التأديبية للنقيب ومجلس الهيئة المسجل بلائحتها المستقلة؟
الواقع أن هذا المقتضى التشريعي يكشف عن بروز ملامح نموذج اقتصادي يعطي الأفضلية لتحرير سوق الخدمات، ومركزة الأنشطة القانونية في قبضة الشركات الكبرى، كتجسيد فعلي لفكرة "السوق الكبير للقانون"، حيث سيصبح المحامي المغربي متعاوناً، أو مساعداً، أو أجيراً مقنعاً فقط، بينما تصبح مكاتب المحاماة الأجنبية خارج قواعد الضبط المهني الوطني، ولا سلطة لأجهزة الهيئة عليها، بذريعة تشجيع الاستثمار الخارجي.
4- نصت المادة 38 من المشروع على عدم إلزامية الاستعانة بمحامٍ في القضايا التي تطبق بشأنها المسطرة الشفوية، لكن الملاحظ أن مشروع قانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية (صيغة النص المحال على مجلس النواب بتاريخ 16 دجنبر 2025) مستمر في توسيع نطاق المساطر الشفوية على حساب المسطرة الكتابية، وجعل إمكانية التقاضي دون الاستعانة بمحامٍ تمتد لتشمل:
- قضايا الزواج والنفقة وإعداد بيت الزوجية والرجوع لبيت الزوجية والطلاق الاتفاقي وأجرة الحضانة وزيارة المحضون، والقضايا المتعلقة بالحالة المدنية، والقضايا الاجتماعية، وقضايا استيفاء ومراجعة وجيبة الكراء (المادة 96 من المشروع).
- القضايا الأخرى التي ينص عليها القانون (المادة 96 من المشروع)، وهو قد يفتح المجال لإضافة قضايا جديدة في كل وقت وحين بمقتضى قوانين خاصة.
- إمكانية تقديم طلب تجريح قاضٍ من قضاة محكمة النقض بدون محامٍ (المادة 336 من المشروع).
- إذا كان أحد طرفي الدعوى قاضياً أو محامياً أمكن لمن يقاضيهما الترافع شخصياً (المادة 376 من المشروع).
- السماح للطرف المعني شخصياً بسلوك مسطرة مخاصمة القضاة أمام محكمة النقض (المادة 422 من المشروع).
- إمكانية تقديم طلب الإحالة من أجل التشكيك المشروع من أي شخص طرف في النزاع بوصفه مدعياً أو مدعى عليه أو متدخلاً أو مدخلاً كضامن، ودون الاستعانة بمحامٍ (المادة 409 من المشروع).
إن توسيع مجال التقاضي شخصياً ودون الاستعانة بمحامٍ يطرح إشكالاً جوهرياً مرتبطاً بضمان الحق في الولوج المستنير إلى العدالة، كمرتكز من مرتكزات التمكين القانوني، والذي يتطلب توفير إجراءات فعالة تتيح الاستعانة بالمحامين من خلال تطوير نظام المساعدة القضائية، ومراجعة إطاره القانوني، وتسريع إجراءاته، وتوسيع مجالاته، وإحداث نظام المساعدة القانونية المجانية.
وفي نفس السياق اعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان من خلال رأيه حول مشروع قانون المسطرة المدنية، المؤرخ في فبراير 2022 أن المسودة عملت على «توسيع نطاق القضايا التي لا يلزم فيها الأطراف بضرورة تنصيب محامٍ، دون أن تحدد معياراً واضحاً للتمييز بين القضايا التي يجوز فيها للأطراف الدفاع عن أنفسهم دون مساعدة محامٍ والقضايا التي يشترط فيها ضرورة تنصيب محامٍ»، كما أكد المجلس على أن: «إعفاء الأطراف في بعض القضايا من شرط التمثيل القانوني لا ينبغي أن يؤثر سلباً على حق الفئات الهشة في الانتصاف الفعال».
5- نصت المادة 54 من المشروع على مقتضى جديد يوجب على المحامي التوفر على تكليف مكتوب من موكله.
لكن مذكرة تقديم المشروع لم تبين أسباب نزول هذا النص، باستثناء الإشارة لدعم آليات تعزيز ثقة المواطنين في الدفاع، وتلافي جميع الإشكالات التي تثار بشأن نيابة المحامي، ودون بيان طبيعة هذه الإشكالات وحجمها، وعدد المنازعات المثارة بشأنها، ونوعية الملفات المعنية بذلك، خاصة أن هذا المقتضى لم يكن ضمن المسودة المعدة من طرف وزارة العدل (صيغة يناير 2023)، والتي نصت المادة 35 منها على أنه: "يتعين على المحامي أن يحتفظ بملفه بما يفيد توكيله، وذلك للإدلاء به عند المنازعة فيه أمام النقيب أو الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف تحت طائلة سقوط الحق في الأتعاب".
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المقتضى من شأنه أن يثير العديد من الإشكالات المرتبطة بتنزيله، لعدم بيان المشروع ما إذا كان يشترط فيه أن يكون مصحح الإمضاء أم لا، ومدى حجيته في الإثبات في حالة عدم تضمينه جميع البيانات المنصوص عليها في المادة 35، كما قد يتعذر الالتزام بهذا المقتضى كلما تعلق بملفات الأشخاص المعتقلين، القابعين خلف القضبان، والذين غالباً ما تتكلف عائلاتهم وأصدقاؤهم بتكليف محامٍ لمؤازرتهم، كما قد يبدو الأمر صعباً بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج كلما كانت ملفاتهم مدرجة بجلسات قريبة لا تسمح باستنفاذ الإجراءات المتعلقة بالتكليف المكتوب.
كما قد تعترض هذا الإجراء صعوبات أخرى مرتبطة بارتفاع نسبة الأمية في أوساط المتقاضين خاصة في البوادي والقرى والمدن الصغرى، وضعف ثقافة توثيق التصرفات جراء غياب الوعي القانوني، وتفضيل المعاملات الشفوية، وضعف الثقة في المؤسسات بشكل عام.
الملاحظة الخامسة: بشأن حصانة الدفاع:
تنص المادة 58 من القانون الحالي رقم 28.08 على أنه: "لا يمكن اعتقال المحامي بسبب ما قد ينسب له من قذف أو سب أو إهانة، من خلال أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته المهنة أو بسببها".
لكن الملاحظ أن المادة 77 من المشروع ألغت المقتضى المتعلق بشمول الحصانة لما ينسب للمحامي بسبب ممارسته للمهنة، وقصر مفهوم الحصانة على ما ينسب له أثناء ممارستها، مع ما يعنيه ذلك من تقليص لنطاق الحصانة وحدودها.
كما وجب التنبيه إلى أن هذه المادة لا تقر إلا الحصانة الجنائية، بشأن ما قد ينسب للمحامي من أقوال أو كتابات، بينما لا تقر أية حصانة تأديبية، بدليل تنصيص الفقرة الثالثة من نفس المادة على أن المحكمة تحرر محضراً مستقلاً بما قد يحدث من إخلال، وتحيله على النقيب، وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ المتعين قانوناً.
الملاحظ كذلك أن المادة المذكورة جاءت بعبارات عامة وفضفاضة تحتمل أكثر من تأويل بشأن طبيعة الأقوال والكتابات، وكذا طبيعة الإخلالات المنسوبة للمحامي، التي قد تعتبر مخالفة مهنية، وبهذا المعنى الواسع قد تعتبر حدة المرافعة، ورفع صوت المحامي إهانة لهيئة المحكمة، وإخلالاً بواجب الاعتدال، يعرض المحامي للمساءلة التأديبية.
كما نص المشروع على مقتضى جديد ألزم بموجبه النقيب باتخاذ قرار متعلق بالمحضر المحرر من طرف المحكمة بشأن ما قد ينسب لمحامٍ من إخلال، وذلك داخل أجل 15 يوماً تحت طائلة إحالة القضية من طرف الوكيل العام إلى غرفة المشورة للبت فيها، وهو ما يعتبر أجلاً غير معقول للقيام بالمتعين، بالنظر لما يتطلبه الأمر من إجراءات تمهيدية لاتخاذ قرار منصف، علماً أن هذا الأجل لا يمكن حتى للنيابات العامة بمختلف درجات المحاكم التقيد به لمعالجة الشكايات.
إن إدراج هذا المقتضى ضمن قانون المهنة لا يمكن تبريره باعتبارات التخليق أو النجاعة، بدليل كون الأجل المذكور غير محدد في القانون الحالي، فضلاً على أن هذا الأجل القصير لن يحقق مبدأ الانتصاف الفعال.
كما تضمنت المادة 78 من المشروع تراجعات خطيرة من خلال التنصيص على أنه يجب في حالة اعتقال محامٍ أو وضعه تحت الحراسة النظرية من طرف ضابط الشرطة القضائية، إشعار نقيب هيئة المحامين الواقعة ضمن الدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف حيث وقع الاعتقال وذلك بجميع الوسائل المتاحة.
وتشكل المادة المذكورة تراجعاً عما يتضمنه القانون الحالي الذي نص في المادة 59 منه على وجوب إشعار النقيب قبل اعتقال المحامي أو وضعه تحت الحراسة النظرية، بينما أضحى ذلك الإشعار لاحقاً على تنفيذ قرار الاعتقال أو الوضع تحت الحراسة النظرية، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الإصرار على عدم الإبقاء على المقتضى الحالي، والذي يشكل ضمانة جوهرية، اعتباراً لكون الإشعار القبلي للنقيب من شأنه تمكينه من معرفة الأسباب الموجبة لقرار سلب حرية المحامي، وما إذا كانت مرتبطة بمزاولة المهنة، والإدلاء نيابة عنه بوثائق ومستندات قد تكون حاسمة في عدم اتخاذ قرار الاعتقال أو الوضع تحت الحراسة النظرية.
كما نسجل أن المشروع لم يحدد وسيلة معينة لإشعار النقيب في حالة اعتقال محامٍ أو وضعه تحت الحراسة النظرية، أو في حالة إجراء بحث معه، واكتفى بالإشارة إلى إمكانية القيام بذلك بجميع الوسائل المتاحة، رغم غموض هذه العبارة، فضلاً عما قد يثيره ذلك من خلاف في حالة الإشعار بإحدى الوسائل التي لا تترك دليلاً بالملف كالهاتف مثلاً، ولذلك نعتقد أنه كان حرياً بالمشرع أن يحدد بدقة طريقة إشعار النقيب.
كما لم يقرر المشروع أي جزاء على خرق تلك المسطرة، مما يقودنا للقول إن ضمانات أداء المحامين لمهامهم لا زالت هشة، وقابلة للاعتداء عليها في كل وقت وحين كما حدث سابقاً في كلميم والناظور حيث اعتقل محامون ودون احترام مسطرة إشعار النقيب.
أما بخصوص تفتيش مكتب المحامي، فقد نصت المادة 78 من المشروع على أنه لا يجري أي تفتيش لمكتب المحامي، من أجل جناية أو جنحة ذات صلة بالمهنة إلا من طرف النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو قاضٍ آخر ينتدبه، وذلك وفق المقتضيات المتعلقة باعتقال المحامي.
والبين من خلال ما تضمنته المادة المذكورة أنها لا تعطي للنقيب أي دور في عملية التفتيش، خاصة إذا كان سينجم عن التفتيش حجز لمستندات ووثائق ذات الصلة بالمهنة، مع ما قد يشكله ذلك من مس بالسر المهني.
وقد سار المشروع في ذلك على هدي ما تضمنه قانون المسطرة الجنائية الجديد الذي نصت المادتان 59 و103 منه على أنه إذا كان التفتيش أو الحجز سيجري بمكتب محامٍ، يتولى القيام به قاضٍ من قضاة النيابة العامة، أو قاضي التحقيق أو قاضٍ آخر ينتدبه بمحضر نقيب المحامين أو من ينوب عنه أو بعد إشعاره بأي وسيلة من الوسائل الممكنة.
وفضلاً عن ذلك تضمنت المادة 59 المذكورة مقتضىً جديداً يسمح بموجبه لضباط الشرطة القضائية بالولوج إلى المعطيات المخزنة بالنظام المعلوماتي المتواجد بمكتب المحامي، وتخزين المعطيات التي تم الولوج إليها على أية دعامة إلكترونية أو حجز هذه الدعامة.
كما ورد بالمادتين 1-116 و2-116 من قانون المسطرة الجنائية الجديد مقتضيات خطيرة تمس حصانة الدفاع، تتعلق بالإذن، من طرف الوكيل العام للملك وقاضي التحقيق، لضباط الشرطة القضائية بوضع الوسائل التقنية لتحديد مواقع المحامين المشتبه فيهم ورصد تحركاتهم، أو بالتقاط وتثبيت وبث وتسجيل العبارات المتفوه بها من طرفهم لأي أماكن، أو وسائل نقل، أو بالتقاط صورهم، أو استعمال أدوات تقنية، بهدف الولوج لجميع الأماكن، بما في ذلك المكاتب المخصصة لمزاولة المهنة، ودون علم أو موافقة المعنيين بذلك إلى المعطيات الإلكترونية أو البيانات المخزنة أو المطلع عليها.
والمثير للاستغراب أن المشرع لم يبين طبيعة التدابير اللازم اتخاذها لضمان احترام السر المهني، علماً أنه وطبقاً للبند 22 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين فإن الحكومات تكفل وتحترم سرية جميع الاتصالات والمشاورات التي تجري بين المحامين وموكليهم في إطار علاقاتهم المهنية.
الملاحظة السادسة: بشأن التأديب:
من خلال استقراء مقتضيات مواد الفرع الثاني من المشروع المتعلقة بتأديب المحامي، يتبين أنها تحبل بالعديد من التراجعات الهادفة إلى المس باستقلالية المهنة وترسيخ وصاية النيابة العامة ووزارة العدل عليها، ويمكن بسط أهم التراجعات كالتالي:
- تكريس وصاية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل على المهنة، وذلك من خلال التنصيص على نشر المقررات التأديبية الصادرة بالتوقيف والتشطيب بالموقع الإلكتروني للوزارة، وكذا التنصيص على تبليغ المقررات التأديبية لوزارة العدل.
- تقليص الآجال المحددة لتقديم طلب رد الاعتبار لمجلس الهيئة، حيث تم تخفيضها من ثلاث سنوات إلى سنة بالنسبة لعقوبة الإنذار أو التوبيخ علماً أن القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة نص في المادة 101 منه على رد اعتبار القاضي بعد انصرام ثلاث سنوات بالنسبة لعقوبتي الإنذار والتوبيخ، كما نصت المادة 101 من القانون رقم 46.21 على رد اعتبار المفوض القضائي بعد مضي سنتين.
وقلص المشروع أجل تقديم طلب الاعتبار من خمس سنوات إلى سنتين إذا تعلق الأمر بعقوبة الإيقاف عن مزاولة المهنة لمدة تقل عن سنة، بينما حدد القانون التنظيمي المذكور هذا الأجل في خمس سنوات بالنسبة لعقوبتي الدرجة الثانية (الإقصاء المؤقت عن العمل، والإنزال بدرجة)، كما حددها القانون 46.21 في أربع سنوات.
كما قلص المشروع هذا الأجل من عشر سنوات إلى أربع سنوات إذا كانت العقوبة بالإيقاف تفوق سنة.
إن هذه المقتضيات الجديدة تفند زيف الخطابات الرسمية بشأن تعزيز فعالية مسطرة التأديب وتحسين نجاعتها، علماً أن هذه الآجال القصيرة ليس من شأنها تحقيق الردعين الخاص والعام، وضمان حسن أداء الواجبات المهنية، والالتزام بقواعد المهنة وآدابها.
- تقليص الآجال المقررة لبث النقيب ومجلس الهيئة في موضوع المتابعات التأديبية (المواد 97 و98).
- التنصيص على تبليغ المشتكي بقرار النقيب بشأن المتابعة أو الحفظ، وكذا حق المشتكي في الطعن في قرار النقيب بالحفظ، وقرار مجلس الهيئة بعد المؤاخذة أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة.
ويعتبر هذا المقتضى مخالفاً لما هو مستقر عليه في مجال التأديب بشكل عام بخصوص حصر حق الطعن بالاستئناف على المحامي المحكوم تأديبياً والنيابة العامة فقط، أما المشتكي فلا يتمتع بهذا الحق لأنه ليس طرفاً في المقرر التأديبي، وهذا ما استقر عليه معظم الفقه وكرسه الاجتهاد القضائي.
- التنصيص على أنه في حالة القرار الضمني بالحفظ، يمكن للوكيل العام المختص أن يتخذ قراراً بالمتابعة يضمنه تكييفاً للوقائع الواردة في الشكاية ويحيله إلى غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة، وهو ما يعتبر تراجعاً عما تضمنته المادة 67 من القانون الحالي التي أعطت للوكيل العام للملك حق الطعن في قرار الحفظ أمام محكمة الاستئناف.
- خول المشروع للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف اختصاصاً جديداً في مجال التأديب، يتعلق بمنحه حق المنازعة أمام مجلس الهيئة في قرار الحفظ الصريح بواسطة مذكرة تتضمن تكييفها للوقائع الواردة في الشكاية، وفي حالة عدم بث المجلس داخل أجل شهرين، يحال الملف بقوة القانون إلى غرفة المشورة.
- من المستجدات التي حملها المشروع حق التصدي من طرف محكمة الاستئناف وهي تنظر في القضايا التأديبية المعروضة عليها بمناسبة استئناف النيابة العامة لقرار الحفظ الصريح الصادر عن النقيب، وهو ما يعتبر تراجعاً عن المقتضيات الواردة في الفقرة الرابعة من المادة 67 من القانون 28.08 التي تنص على أنه: "إذا ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف وجوباً، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة".
- نص المشروع في المادة 99 على مسطرة المقرر، علماً أن هذا المقتضى كانت تنص عليه المادة 65 من ظهير 10/09/1993، والتي كانت تسمح للمجلس بتعيين أحد أعضائه بصفته مقرراً لإجراء البحث الضروري في كل شكوى تقدم ضد محامٍ.
- حدد المشروع لمجلس الهيئة أجلاً لا يتعدى شهرين للبث في الملفات التأديبية، ابتداء من تاريخ إحالته إليه، ويعتبر عدم بث المجلس، داخل هذا الأجل، بمثابة مقرر بعدم مؤاخذة المحامي المتابع.
إن تقليص أجل البث من ستة أشهر المنصوص عليه في القانون الحالي إلى شهرين سوف لن يمكن لا محالة من تحقيق فعالية ونجاعة المسطرة التأديبية، بالنظر لكون أجل الشهرين يعتبر غير كافٍ لاستنفاذ كافة الإجراءات المنصوص عليها قانوناً في مجال التأديب، سواء تعلق الأمر بمسطرة البحث والتحري والتحقيق الحضوري والأمر بالاستدعاء وتأمين حق الاطلاع وحق الدفاع للمحامي المتابع.
وللتدليل على كون هذا الأجل غير كافٍ ويستحيل احترامه، تكفي الإشارة إلى أن الأجل الممنوح للمجلس الأعلى للسلطة القضائية للبث في الملفات التأديبية محدد في خمسة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة ولنفس المدة بقرار للرئيس المنتدب للمجلس (المادة 97 من القانون التنظيمي رقم 100.13).
الملاحظة السابعة: بشأن أجهزة المهنة:
نص المشروع لأول مرة على إحداث مجلس لهيئات المحامين ويعتبر الممثل الوحيد لها أمام السلطات والهيئات والإدارات المركزية، ويتولى القيام بالمهام المتعلقة باتخاذ قرار تأسيس هيئة محامين جديدة، وإنشاء وإدارة مشاريع اجتماعية لفائدة المحامين، ووضع نظام موحد لتدبير حساب ودائع وأداءات المحامين، ووضع التصورات العامة للتكوين الأساسي والمستمر، وإبداء الرأي فيما يعرض عليه بشأن مزاولة المهنة ومنظومة العدالة، وإعداد تقارير حول شؤونهما، ووضع مدونة لأخلاقيات المهنة.
والملاحظ أن المهام المسندة للمجلس لا تتعلق بالاختصاصات الجوهرية ذات الارتباط بتدبير الشأن المهني، كالبث في ملفات التأديب، والمنازعات المرتبطة بالأتعاب، والمشاركة في إدارة وتسيير معهد التكوين، والبث في طلبات المحامين المنتمين لإحدى الدول الأجنبية الراغبين في مزاولة مهنة المحاماة بالمغرب، ووضع نظام داخلي موحد لهيئات المحامين.
أما على مستوى هيئات المحامين تم التنصيص على أنه لا تؤسس أي هيئة للمحامين لدى محكمة الاستئناف، إلا إذا كان عدد المحامين الممارسين بدائرتها، خمسمائة على الأقل.
كما نص المشروع لأول مرة على سعي الهيئات لتحقيق مبدأ المناصفة خلال انتخاب أعضاء مجالسها، على ألا تقل نسبة تمثيلية أحد الجنسين عن الثلث، كما تسعى مجالس الهيئات إلى تحقيق نفس الغاية عند انتخاب ممثليها في مجلس هيئات المحامين، وإن كانت عبارات المادة 161 جاءت بعبارة: "السعي" التي لا تفيد الإلزام، وإنما تفيد العمل بجد والسعي للمناصفة فقط.
وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن التراجع عن المكتسبات المشروعة المرتبطة بحقوق الدفاع يؤكد أن مشروع القانون رقم 66.23، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، مشوب بعيب الانحراف التشريعي لمخالفته الصريحة للدستور، وإعادة توجيه التشريع بعيداً عن مقاصده الدستورية، ومن ثمّ، فإن الدفاع عن استقلال مهنة المحاماة لا يمكن النظر إليه باعتباره مطلباً فئوياً، بل هو دفاع عن دولة القانون نفسها، وعن جوهر العدالة الدستورية.