إبراهيم أفروخ: كلمة ولد الرشيد وتشكيلة وفد البوليساريو للمفاوضات مع المغرب

إبراهيم أفروخ: كلمة ولد الرشيد وتشكيلة وفد البوليساريو للمفاوضات مع المغرب إبراهيم أفروخ

لم يكن اللقاء الحزبي الذي نظمه حزب الاستقلال بمدينة العيون، بمناسبة ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال، مجرد نشاط احتفالي عابر، بل تحوّل إلى منصة سياسية بامتياز، حملت من خلالها كلمة مولاي حمدي ولد الرشيد رسائل دقيقة ومباشرة إلى قيادة جبهة البوليساريو، وإلى ساكنة مخيمات تندوف، بل وإلى النظام الجزائري ذاته، في لحظة إقليمية ودولية تتسم بتغير موازين القوة وتسارع دينامية ملف الصحراء المغربية.

الحكم الذاتي مشروع جامع ورسائل الحسم

الرسالة الأولى التي بعث بها ولد الرشيد تمثلت في التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي ليست حكرًا على فاعل سياسي أو قبلي بعينه، ولا ملكًا لنخبة محدودة، بل مشروع مفتوح وموجّه إلى جميع قبائل الصحراء، من سيدي إفني شمالًا إلى الكويرة جنوبًا. هذا التعداد الواسع للامتداد القبلي لم يكن تفصيلاً عرضيًا، بل إشارة سياسية محسوبة تهدف إلى تفكيك السردية الاحتكارية التي بنتها البوليساريو حول “تمثيل الصحراويين”.

رسالة إلى المخيمات: الباب مفتوح للعودة والمشاركة

الرسالة الثانية وُجّهت بشكل مباشر إلى ساكنة مخيمات تندوف، حيث شدد ولد الرشيد على أن الفرصة ما تزال مفتوحة للعودة إلى الوطن، والعيش في الأمن والاستقرار، والمشاركة في مشاريع التنمية والبناء الوطني. وهي رسالة تحمل في طياتها بُعدًا إنسانيًا واجتماعيًا، لكنها في جوهرها رسالة سياسية تسحب البساط من خطاب  تقليدي تتغذى عليه جبهة البوليساريو منذ عقود.

قرار أممي حاسم ورسالة واضحة إلى الجزائر

أما الرسالة الثالثة، فكانت الأكثر مباشرة وحدّة، وجّهها محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، إلى النظام الجزائري، حين أكد أن القرار الأممي رقم 2797 قد سقّف مسار التفاوض بشكل نهائي، وربط أي حل سياسي واقعي بمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الخيار الوحيد والعملي لتسوية النزاع. تصريح صادر عن الرجل الرابع في الدولة المغربية،  جعله أيضا يؤكد مسألة أن الغالبية الساحقة من الصحراويين، و بمختلف انتماءاتهم، مع مشروع الحكم الذاتي، وأن الساحة الوطنية تتسع لكل من يرغب في العمل تحت القيادة الملكية، في إشارة إلى أن مرحلة الحسم السياسي قد دخلت منعطفها الأخير.

بوليساريو تكشف عن تشكيلة وفدها المفاوض

بعد هذه الرسائل المتعددة الاتجاهات، أعلنت جبهة البوليساريو عن تشكيل وفدها المفاوض، في خطوة عكست أكثر من كونها مبادرة سياسية، حالة ارتباك ومحاولة استدراك للزمن.
التشكيلة الجديدة أعادت الاعتماد على “الحرس القديم”، من خلال محمد سالم ولد السالك، رئيس الوفد المفاوض، إلى جانب محمد يسلم بيسط الذي يُنظر إليه كوجه منفتح وأكثر قربًا من منطق الحلول الواقعية، و مبادرة الحكم الذاتي، و محمد عمار  المعروف بعلاقاته داخل أروقة الأمم المتحدة وبكونه حلقة وصل مع الإدارة الأمريكية، وفاطمة المهدي التي يُنظر إلى حضورها كإشارة رمزية على احترام دور المرأة داخل الجبهة وليست فعالا في التفاوض مع المغرب.
فيما يخص مولود سعيد فيُفهم إدراجه ضمن الوفد المفاوض عجلة احتياط لطمأنة دوائر القرار الأمريكية، خصوصًا في ظل عودة إدارة ترامب وتأثيراتها المحتملة على الملف وهو أكثر من يدرك جوهر القرار الأممي 2797 داخل هذه التشكيلة هم أولئك الذين يفهمون أن المجتمع الدولي يدفع اليوم نحو حل سياسي واقعي، متوافق عليه، يمنح مبادرة الحكم الذاتي المغربية وزنًا دوليًا متزايدًا.
ورغم استمرار الرفض الرسمي للجبهة، فإن اختيار هذه الأسماء يعكس سعيًا لتحسين شروط التفاوض والحصول على ضمانات سياسية  ترضي الطرف الجزائري وتراعي التفوق المغربي الميداني والدبلوماسي الذي يمتلك أوراق القوة.

المغرب قدم ملعب الكرة وقدم في  الملعب الدولي

في خضم ذلك  يواصل المغرب تنظيم كأس أمم إفريقيا، غير أن انشغاله لا يقتصر على الرياضة كما يتوهم خصومه. فالرباط تتابع بدقة تطورات المشهد الدولي، من فنزويلا إلى إيران، وتدير تحركاتها بحسابات دقيقة تجمع بين البعد الإقليمي والدولي.
التجمع الجماهيري ليوم 11 يناير بالعيون شكّل نقطة تحول فارقة؛ إذ أربك البوليساريو التي تأسست على قاعدة قبلية محدودة، ليأتي مولاي حمدي ولد الرشيد ويفتح أفق الحكم الذاتي أمام عشرات القبائل الصحراوية دون استثناء، بل ويؤكد أنه مشروع موجه إلى كل ساكنة الصحراء. خطوة أحدثت شرخًا داخل خطاب الجبهة، وجعلت الكثير من ساكنة المخيمات يشعرون بأنهم مجرد أرقام في معادلة سياسية مغلقة.
سباق مع الزمن
في هذا السياق، يبدو أن إعلان البوليساريو عن تشكيل وفدها المفاوض ليس سوى محاولة لربح الوقت، في سباق واضح مع الأجندة الدولية، خاصة مع اقتراب أفق 31 أكتوبر 2026 الذي قد يحمل معه محطة حاسمة في مسار النزاع. وبين مبادرة مغربية تزداد رسوخًا ودعمًا وجبهة تعيد تدوير وجوهها القديمة تتجه قضية الصحراء نحو مرحلة جديدة عنوانها الواقعية السياسية وحسم الخيارات بعيدا عن النظام الجزائري الفاعل الرئيسي في إستمرار هذا النزاع الأممي .