كرة القدم.. الرياضة التي تخلق النمو وتدر عائدات بالملايير

كرة القدم.. الرياضة التي تخلق النمو وتدر عائدات بالملايير

من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحالي،‭ ‬لا‭ ‬تُمارَس‭ ‬بالقدمين‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬في‭ ‬رقعة‭ ‬الملعب‭ ‬أو‭ ‬المدرجات،‭ ‬إذ‭ ‬أخذت‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬تكشف،‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬معقّدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الرياضة،‭ ‬لتحولها‭ ‬إلى‭ ‬تجارة‭ ‬عالمية‭ ‬تُدار‭ ‬بعقود‭ ‬واستثمارات‭ ‬وحسابات‭ ‬دقيقة،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬المصالح‭ ‬المالية‭ ‬مع‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية،‭ ‬ويُعاد‭ ‬فيها‭ ‬تعريف‭ ‬اللاعب‭ ‬والمشجع‭ ‬والنادي‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬
فبمجرد‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬المطابخ‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للكرة،‭ ‬ندرك‭ ‬اليوم‭ ‬أنها‭ ‬صناعة‭ ‬ثقيلة‭ ‬تشبه‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬شركات‭ ‬الترفيه‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬تتشابك‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وحقوق‭ ‬البث‭ ‬والعقود‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬مالية‭ ‬معقدة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مباراة‭ ‬حلقة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬إنتاج‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الرياضي‭ ‬الفرنسي‭ ‬«أندري‭ ‬دوبون»،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬«واجهة‭ ‬عاطفية‭ ‬لاقتصاد‭ ‬ضخم‭ ‬تُدار‭ ‬تفاصيله‭ ‬في‭ ‬مكاتب‭ ‬المحامين‭ ‬والبنوك»؛‭ ‬فالأندية‭ ‬الكبرى‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬نتائجها‭ ‬الرياضية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزيونية،‭ ‬وعلى‭ ‬جذب‭ ‬الرعاة،‭ ‬وعلى‭ ‬بيع‭ ‬صورة‭ ‬النادي‭ ‬قبل‭ ‬بيع‭ ‬انتصاراته،‭ ‬وعلى‭ ‬«إنتاج»‭ ‬اللاعبين‭ ‬في‭ ‬أكاديمياتها‭ ‬«مزارعها»‭. ‬
أما‭ ‬الباحث‭ ‬الإسباني‭ ‬«ميغيل‭ ‬أورتيغا»،‭ ‬فيؤكد‭ ‬أن‭ ‬تضخم‭ ‬أسعار‭ ‬اللاعبين‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بالضرورة‭ ‬بتطور‭ ‬الأداء،‭ ‬بل‭ ‬بندرة‭ ‬النجوم‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الموهبة‭ ‬والتسويق؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬«القيمة‭ ‬التسويقية»‭ ‬تُبنى‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الرياضية‭ ‬وعدد‭ ‬المتابعين‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬وحجم‭ ‬السوق‭ ‬الجغرافية‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬اللاعب،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يتفوّق‭ ‬لاعب‭ ‬متوسط‭ ‬فنيا‭ ‬في‭ ‬السعر‭ ‬على‭ ‬لاعب‭ ‬أكثر‭ ‬موهبة;‭ ‬لأنه‭ ‬ببساطة‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابا‭ ‬تجارية‭ ‬أوسع‭.‬
ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يتحول‭ ‬اللاعب‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬مالي‭ ‬متحرك،‭ ‬تُحسب‭ ‬مخاطره‭ ‬كما‭ ‬تُحسب‭ ‬مخاطر‭ ‬الأسهم،‭ ‬ويُؤمَّن‭ ‬عليه‭ ‬ضد‭ ‬الإصابات‭ ‬كما‭ ‬تُؤمَّن‭ ‬السفن‭ ‬والطائرات‭ ‬والبنايات،‭ ‬وكما‭ ‬تتم‭ ‬إدارة‭ ‬مستقبله‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الوكلاء‭ ‬والمستشارين‭ ‬الذين‭ ‬يشبهون‭ ‬مديري‭ ‬الأبناء‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والوكلاء‭ ‬التجاريين‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬وكيل‭ ‬اللاعبين‭ ‬السابق‭ ‬والباحث‭ ‬الإيطالي‭ ‬«ماركو‭ ‬رينالدي»‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬«الموهبة‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للتدويل»،‭ ‬أي‭ ‬قابلة‭ ‬للبيع‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سوق،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬شروط‭ ‬الرعاة‭ ‬والإعلام‭. ‬
تأسيسا‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬رحلة‭ ‬المواهب‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬الأكاديميات،‭ ‬حيث‭ ‬يُنتقى‭ ‬بعضهم‭ ‬بعناية‭ ‬ويُترك‭ ‬الآخرون‭ ‬خلف‭ ‬الأسوار،‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تصفية‭ ‬مبكرة‭ ‬قاسية‭ ‬تشبه‭ ‬غربلة‭ ‬الذهب،‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬البرازيلي‭ ‬«باولو‭ ‬هنريكي»:‭ ‬«الوهم‭ ‬الجماعي‭ ‬بالخلاص‭ ‬عبر‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الهامشية»،‭ ‬حيث‭ ‬تستثمر‭ ‬العائلات‭ ‬في‭ ‬أحلام‭ ‬أبنائها‭ ‬كما‭ ‬تُستثمر‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬قصص‭ ‬الفشل‭ ‬صامتة‭ ‬خارج‭ ‬الكاميرات،‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭.‬
الإعلام‭ ‬بدوره‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬خارج‭ ‬هذه‭ ‬التجارة،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تسخيره‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقـ،‭ ‬وبكل‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة،‭ ‬ليصنع‭ ‬جزءا‭ ‬أساسيا‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭. ‬فالمباراة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬متكامل‭ ‬تُبنى‭ ‬حوله‭ ‬استوديوهات‭ ‬تحليلية‭ ‬وإعلانات‭ ‬ومحتوى‭ ‬رقمي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭. ‬تقول‭ ‬الباحثة‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬الإعلام‭ ‬«سوزان‭ ‬ميلر‮ ‬«،‭ ‬إن‭ ‬«اللاعب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬لا‭ ‬يُباع»،‭ ‬ولهذا‭ ‬تصنع‭ ‬الكاميرا‭ ‬نجومية‭ ‬البعض‭ ‬وتُهمل‭ ‬لاعبين‭ ‬آخرين،‭ ‬كما‭ ‬تُضخّم‭ ‬لحظات‭ ‬ووقائع‭ ‬معينة‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬علامات‭ ‬تجارية‭ ‬مستقلة‭. ‬ذلك‭ ‬أنه،‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النادي‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬يبيع‭ ‬الصورة،‭ ‬بل‭ ‬اللاعب‭ ‬نفسه‭ ‬يعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬«صناعة‭ ‬صورته»،‭ ‬إذ‭ ‬يُحوّل‭ ‬حسابه‭ ‬الرقمي‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬إعلانية‭ ‬متنقلة‭ ‬قد‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬لترويج‭ ‬حذاء‭ ‬أو‭ ‬ساعة‭ ‬أو‭ ‬شركة‭ ‬مراهنات‭ ‬أو‭ ‬منتج‭ ‬تجاري،‭ ‬كما‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬انتزاع‭ ‬لقب‭ ‬عالمي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يخشاه‭ ‬اللاعبون‭ ‬هو‭ ‬خسارة‭ ‬قيمتهم‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬أي‭ ‬خسارة‭ ‬مستقبلهم‭ ‬كله‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬مما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبا‭ ‬اللاعبين،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يحول‭ ‬الضغط‭ ‬المرتبط‭ ‬بالقيمة‭ ‬السوقية‭ ‬إلى‭ ‬«كارثة‭ ‬وجودية»‭. ‬حيث‭ ‬تؤكد‭ ‬الباحثة‭ ‬البريطانية‭ ‬«سوزان‭ ‬ميلر»‭ ‬أن‭ ‬اللاعب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تمنحه‭ ‬الكاميرا‭ ‬وقتا‭ ‬كافيا‭ ‬يكاد‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬لأن‭ ‬الوجود‭ ‬الإعلامي‭ ‬أصبح‭ ‬شرطا‭ ‬أساسيا‭ ‬للوجود‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
إن‭ ‬الإعلام،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الفهم،‭ ‬لا‭ ‬ينقل‭ ‬الحدث‭ ‬فقط‭ ‬أو‭ ‬أخبار‭ ‬اللاعبين،‭ ‬وإنما‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاجه‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭. ‬فعدد‭ ‬ساعات‭ ‬البث‭ ‬والتحليل‭ ‬قد‭ ‬يفوق‭ ‬أضعاف‭ ‬زمن‭ ‬المباريات‭ ‬نفسها‭. ‬حيث‭ ‬تقدر‭ ‬عائدات‭ ‬الإشهار‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبطولات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناسبات‭ ‬الكروية‭ ‬بمئات‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭. ‬
ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬التجارة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬السوق‭ ‬والإعلام،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬السياسة‭ ‬والجغرافيا‭. ‬فشراء‭ ‬ناد‭ ‬كبير‭ ‬صار‭ ‬بالنسبة‭ ‬لبعض‭ ‬الدول‭ ‬وسيلة‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬صورتها‭ ‬الدولية‭ ‬«قطر،‭ ‬الإمارات،‭ ‬السعودية‭..‬»،‭ ‬وبناء‭ ‬نفوذ‭ ‬ناعم‭ ‬يتسلل‭ ‬عبر‭ ‬العاطفة‭ ‬الرياضية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشرحه‭ ‬الخبير‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬«جان‭ ‬لوك‭ ‬ماري»،‭ ‬إذ‭ ‬يقول:‭ ‬«شراء‭ ‬ناد‭ ‬أوروبي‭ ‬عريق‭ ‬اليوم‭ ‬يعادل‭ ‬امتلاك‭ ‬قناة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬البشر»،‭ ‬ولهذا‭ ‬تدخل‭ ‬الصناديق‭ ‬السيادية‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬الاستثمار‭ ‬الكروية‭. ‬
في‭ ‬هذا‭ ‬الخضم،‭ ‬يتغير‭ ‬موقع‭ ‬الجمهور‭ ‬نفسه؛‭ ‬فالمشجع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬النادي‭ ‬امتدادا‭ ‬لحيه‭ ‬أو‭ ‬مدينته،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬تدريجيا‭ ‬زبونا‭ ‬في‭ ‬متجر‭ ‬عالمي،‭ ‬يشتري‭ ‬قميصا‭ ‬صُنع‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬أخرى،‭ ‬ويدفع‭ ‬ثمن‭ ‬تذكرة‭ ‬قد‭ ‬تفوق‭ ‬راتبه‭ ‬اليومي‭ ‬«خاصة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬السوداء»،‭ ‬ويتابع‭ ‬فريقه‭ ‬في‭ ‬مواعيد‭ ‬تحددها‭ ‬أسواق‭ ‬بعيدة‭ ‬عنه‭ ‬زمنيا‭ ‬وثقافيا‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬انتبه‭ ‬إليه‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬«توماس‭ ‬باور»‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬«كرة‭ ‬القدم‭ ‬تفقد‭ ‬ببطء‭ ‬لهجتها‭ ‬المحلية»،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هوية‭ ‬الأندية‭ ‬تتآكل‭ ‬أمام‭ ‬منطق‭ ‬العلامة‭ ‬التجارية،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الشعار‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الذاكرة،‭ ‬والانتشار‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الانتماء»‭. ‬ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬لعبة‭ ‬التذاكر‭ ‬تنفتح‭ ‬جبهة‭ ‬تجارية‭ ‬مباشرة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬أنظمة‭ ‬تسعير‭ ‬مرنة‭ ‬ترتفع‭ ‬مع‭ ‬الطلب‭.  ‬وهذا‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬القمصان‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬بدورها‭ ‬رافعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مركزية‭ ‬للأندية‭ ‬والمنتخبات،‭ ‬حيث‭ ‬تباع‭ ‬منها‭ ‬سنويا‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬ملايين‭ ‬النسخ،‭ ‬بأسعار‭ ‬قد‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬70‭ ‬و120 دولارا‭ ‬للنسخة‭ ‬الأصلية،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬السوق،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬حصة‭ ‬الاتحادات‭ ‬«الجامعات»‭ ‬الوطنية‭ ‬محدودة‭. ‬والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬الإكسسوارات:‭ ‬الأوشحة،‭ ‬القبعات،‭ ‬الأعلام،‭ ‬وكلها‭ ‬منتجات‭ ‬سريعة‭ ‬التداول‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬العاطفة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬شراء‭ ‬موسمي‭ ‬متكرر‭.‬
حتى‭ ‬جوهر‭ ‬اللعبة‭ ‬لم‭ ‬يسلم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭. ‬فاختيارات‭ ‬المدربين‭ ‬تخضع‭ ‬أحيانا‭ ‬لضغوط‭ ‬المستثمرين،‭ ‬واللاعب‭ ‬الأكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للبيع‭ ‬يُفضَّل‭ ‬على‭ ‬الأكثر‭ ‬انسجاما‭ ‬مع‭ ‬الخطة،‭ ‬وعدد‭ ‬المباريات‭ ‬يتضاعف‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬يطلب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭. ‬يقول‭ ‬المدرب‭ ‬السابق‭ ‬والخبير‭ ‬الفني‭ ‬الهولندي‭ ‬«فان‭ ‬دير‭ ‬هوف»‭ ‬إن‭ ‬«كرة‭ ‬القدم‭ ‬الحديثة‭ ‬تُلعب‭ ‬أحيانا‭ ‬تحت‭ ‬إيقاع‭ ‬المحاسبة‭ ‬لا‭ ‬إيقاع‭ ‬التكتيك»،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬القرارات‭ ‬الفنية‭ ‬إلى‭ ‬معادلات‭ ‬ربح‭ ‬وخسارة‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يتفق‭ ‬الخبراء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬إيقاف‭ ‬السوق‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬اللعبة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حدود‭ ‬أخلاقية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تمنع‭ ‬تحول‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬بورصة‭ ‬متنقلة،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬نظل‭ ‬احتفالا‭ ‬بالانتماء،‭ ‬واستعادة‭ ‬لحق‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬الفرح‭ ‬الجماعي،‭ ‬وفرصة‭ ‬نادرة‭ ‬لرفع‭ ‬العلم‭ ‬الوطني‭ ‬خارج‭ ‬منطق‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة،‭ ‬حتى‭ ‬يشعر‭ ‬الجمهور‭ ‬العريض‭ ‬بأن‭ ‬الكرة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬معنى‭ ‬مشترك،‭ ‬وعلى‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭.  ‬التحدي‭ ‬هو‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬كروية‭ ‬تبقى‭ ‬اللعبة‭ ‬مصدرا‭ ‬فرجويا‭ ‬للفرح‭ ‬والانتماء‭.‬