منير لكماني: غيث العيون

منير لكماني: غيث العيون منير لكماني

لا تخرج الدموع حصرا من بوابة الحزن. قد تنزل لأن الفرح فاجأ القلب حتى ضاقت به الابتسامة، وقد تنزل لأن معنى كبير مر في الداخل فارتجف له الصمت. البكاء ليس لقطة عابرة، بل لغة قديمة حين تعجز العبارة .عن حمل ما يثقلها. لذلك لا يليق أن نحاكم الدموع قبل أن نفهم سياقها، ولا أن نعلق بها اتهاما جاهز

وجوه الدمع

تظهر دمعة الفرح عند خبر طال انتظاره، أو نجاح جاء بعد عناء، أو لقاء يعيد الروح إلى مكانها. في هذه اللحظة لا يناقض البكاء السعادة، بل يكشف شدتها، كأن الجسد يفتح منفذا لتصريف فائض الشعور قبل أن يختنق به.

وتأتي دمعة الخشوع على نحو مختلف. لا تشبه حزنا ولا ضحكا، بل تنبثق حين يصفو القلب فجأة، ويشعر الانسان بهيبة المعنى واتساع الحياة. لا تطلب هذه الدموع شرحا ولا ضجيجا، بل احتراما ومساحة هادئة، لأن صاحبها يعيش لحظة امتلاء داخلي لا لحظة انكسار.

ثم تتنوع الدموع بين ارتياح بعد عبور أزمة، وحنين توقظه رائحة أو أغنية، وقهر يترك في الصدر غصة، وتعب يتراكم حتى يخون الجسد ادعاء القوة. اختلاف الاسباب لا ينفي وحدة الرسالة: شيء ما في الداخل يطلب متنفسا.

التباس الشعور

قد يبكي الانسان وهو يبتسم، وقد يجتمع في قلبه الدفء والألم في آن واحد. المشاعر لا تسير على خط مستقيم، بل تتداخل وتتعاقب. ما يوحد هذه الدموع ليس لونها، بل حدتها: حين تبلغ الشحنة العاطفية ذروتها، يبحث الداخل عن صمام يخفف الضغط، فتجيء الدموع لتعيد بعض الاتزان، لا لتعلن هزيمة.

تفكيك الوهم

لا يصح أن يقال إن بكاء الرجل ضعف، ولا إن بكاء المرأة احتيال. الدموع لا جنس لها، والكرامة لا تقاس بجفاف العين. الرجل قد يبكي لأنه مجهد أو مجروح أو مشتاق، وهذا لا ينقص من وقاره ولا من مسؤوليته. الضعف الحقيقي هو الهروب المزمن من الواجب، أو القسوة على القريب، أو العجز عن الاعتراف بالخطأ. دمعة صادقة قد تكون شجاعة لأنها اعتراف بالانسانية لا تخليا عنها.

والمرأة قد تبكي لأنها تتألم أو تتأثر أو تضيق بها السبل، وهذا لا يجعلها متلاعبة. نعم، قد يستعمل بعض الناس الدموع للتأثير على غيرهم، لكن هذا سلوك فردي لا صفة ملازمة لجنس بعينه. الانصاف يقتضي أن نحاكم الفعل لا الصورة النمطية.

خدعة الدموع

المعيار ليس من يبكي، بل ما الذي يتلو البكاء. يتحول الدمع إلى ضغط غير عادل حين يتكرر كلما طُلب تحمل مسؤولية، أو حين يختفي بمجرد نيل المطلوب، أو حين يصاحبه قلب للحقائق وابتزاز عاطفي بدل حوار واضح. أما البكاء الطبيعي فغالبا يفتح باب الفهم، ويتبعه استعداد للكلام أو الاعتذار أو البحث عن مخرج.

حكمة الدموع

قد يخجل الانسان من دموعه فيحبسها حتى تتثاقل الروح. غير أن النضج لا يعني خنق الدمع، بل صون كرامته: اختيار مساحة آمنة، وتجنب تحويل المشاعر إلى فرجة، والكف عن قسوة الداخل على صاحبه. وعندما يبكي قريب لك، لا تتعامل مع الدموع كعطل يجب اصلاحه؛ دعها تأخذ وقتها، وكن حاضرا بهدوء، وقل ما يطمئن دون اسراف، واصغ بصدق. في مثل هذه اللحظات، الرحمة الصامتة هي اللغة الاوضح.

رسالة العين

إذا كانت الدموع ترافق الفرح والرهبة والوجع، فكيف نجعلها عيبا؟ وإذا كان بعض الناس يسيء استعمالها، فهل نعاقب الصدق بذنب غيره؟ لعلنا نحتاج إلى ميزان أبسط وأعدل: أن نرى في الدموع اشارة لا تهمة، وأن نقيم الانسان بما يفعله بعد الدمع، لا بما يلمع في عينه لحظة الفيض.