محمد بنعلي: المضيق بين تجميد التعمير وخرق القانون.. عندما يطبق المنع على الضعفاء ويستثنى المحظوظون

محمد بنعلي: المضيق بين تجميد التعمير وخرق القانون.. عندما يطبق المنع على الضعفاء ويستثنى المحظوظون محمد بنعلي

منذ صدور تصميم تهيئة مدينة المضيق بالجريدة الرسمية سنة 2017، دخلت المدينة مرحلة غير مسبوقة من التجميد شبه الكلي لقطاع التعمير، حيث منع المواطنون من البناء في المناطق المخصصة قانونا للتعمير، بل وتجاوز المنع ذلك إلى حرمانهم حتى من رخص الإصلاح البسيطة، في خرق واضح لحق الملكية وحق السكن اللائق كما هو مكفول دستوريا.
في المقابل، تسجل على أرض الواقع ممارسات تناقض كليا هذا المنع الصارم، حيث سمح – ولا يزال  بالبناء لفائدة فئة محدودة من “المحضوضين”، من بينهم رئيس سابق للجماعة ونائب للرئيس حاليا، في أماكن يفترض قانونا أنها محظورة، بما في ذلك الطرق العمومية، والأملاك الغابوية، ناهيك عن البناء فوق الأملاك البحرية، وكل ذلك دون أن يترتب عنه أي أثر قانوني يذكر.
إن هذا التوقف النهائي وغير المعلن رسميا للبناء، والذي يتم تطبيقه بانتقائية صارخة، يشكل خرقا سافرا لقانون التعمير، وضربا لمبدأ سمو وثائق التهيئة باعتبارها أسمى مرجع قانوني ينظم المجال العمراني، كما يعد مساسا خطيرا بمبدأ المساواة أمام القانون، المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور.
وقد كان لهذا الوضع أثر مباشر وعميق على الاقتصاد المحلي، إذ أدى شلل قطاع التعمير إلى فقدان عدد كبير من الأسر لمصادر عيشها، ودفع العديد من المواطنين إلى بيع منازلهم ومغادرة المدينة نحو مدن أخرى بحثا عن الاستقرار والعيش الكريم. أما الشباب والأطفال، فقد وجدوا أنفسهم أمام انسداد كامل للأفق، ما دفع عددا منهم إلى المجازفة بأرواحهم في محاولات هجرة سباحة نحو سبتة المحتلة، حيث يلقى أغلبهم حتفه قبل الوصول، لتستفيق ساكنة المنطقة بشكل شبه يومي على فاجعة غرق شاب أو طفل قاصر.
ورغم هذا “التجميد” المعلن وغير المعلن في آن واحد، فإن البناء العشوائي لم يتوقف، بل استمر بشكل فاضح، كان آخره تشييد بناء حديث وسط المدينة دون أي ترخيص معروف، من طرف أحد أغنى أغنياء المنطقة، في مشهد يلخص منطق الإفلات من المراقبة وربط القانون بالوضع الاجتماعي والمالي لا بالنصوص القانونية.
إن الإشكال المطروح اليوم في المضيق ليس إشكال أشخاص، بل إشكال سياسة عمومية ومنهج في التدبير، قائم على الكيل بمكيالين، حيث يحرم  “الديب” وتحلل “مرقته”، ويطبق القانون بصرامة على فئة، ويعطل أو يؤول لفائدة فئة أخرى.
وأمام هذا الوضع، فإن المطلوب هو فتح تحقيق جدي ومسؤول في خروقات التعمير بالمدينة، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية، وإعادة الاعتبار لتصميم التهيئة كوثيقة قانونية فوق الجميع، مع رفع الحيف عن الساكنة، وتمكينها من حقوقها المشروعة في السكن والتعمير، حفاظًا على السلم الاجتماعي، ووقفًا للنزيف الإنساني الذي تشهده المدينة.


محمد بنعلي .
فاعل سياسي من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي