إدريس الفينة: كيف غيرت الدولة النموذج الاقتصادي لمناطق الشمال

إدريس الفينة: كيف غيرت الدولة النموذج الاقتصادي لمناطق الشمال إدريس الفينة

لأكثر من خمسة عقود، اشتغل شمال المغرب داخل نموذج اقتصادي غير منتج، قائم على التهريب الحدودي وزراعة القنب الهندي، وهو نموذج وفّر دخلاً سريعاً لكنه عطّل كل منطق للتنمية المستدامة. التقديرات غير الرسمية كانت تشير إلى أن “تجارة التهريب” عبر سبتة ومليلية كانت تضخ سنوياً ما بين 6 و10 مليارات درهم من السلع في السوق المغربية، دون أي أثر إيجابي على الاستثمار أو الإيرادات الضريبية أو الإنتاج المحلي. هذه التدفقات كانت تعادل، في بعض السنوات، رقم معاملات قطاعات صناعية نظامية بأكملها، لكنها خارج أي دورة اقتصادية سليمة.

الأثر المباشر لهذا النموذج كان واضحاً: إضعاف الصناعة الوطنية، خصوصاً في النسيج، الأحذية، الأجهزة المنزلية، والسلع الاستهلاكية الخفيفة. المنتج المغربي كان يواجه منافسة غير عادلة من سلع لا تؤدي رسوماً جمركية ولا ضريبة على القيمة المضافة، ما جعل الاستثمار في وحدات صناعية محلية غير مجدٍ اقتصادياً في جهة كاملة من البلاد. ونتيجة لذلك، ظل معدل البطالة في بعض أقاليم الشمال أعلى من المتوسط الوطني، بينما بقي التشغيل مركزاً في أنشطة غير مهيكلة ومنخفضة الإنتاجية.

اجتماعياً، كان هذا النموذج يشغّل عشرات الآلاف، لكن بكلفة إنسانية واقتصادية مرتفعة. فالدخل كان غير مستقر، غياب التغطية الاجتماعية شبه كامل، والقدرة على الادخار أو خلق مشاريع بديلة ضعيفة جداً. اقتصاد يحرّك السيولة لكنه لا يبني الثروة.

التحول بدأ فعلياً عندما قررت الدولة إنهاء هذا الاستثناء الاقتصادي. إغلاق قنوات التهريب قبل الجائحة، ثم الإغلاق الكامل للحدود في 2020، أنهى فجأة نموذجاً كان يوفّر دخلاً مباشراً لآلاف الأسر. الصدمة كانت قوية: انخفاض سريع في الأنشطة التجارية غير المهيكلة، تراجع الطلب المحلي في مدن حدودية، وارتفاع مؤقت في الهشاشة الاجتماعية. لكن من منظور اقتصادي كلي، كان القرار منطقياً: الاستمرار في هذا النموذج كان يعني قبول نزيف دائم في الإنتاج والاستثمار والجباية.

بالتوازي، جاء التحول في ملف القنب الهندي. التقديرات تشير إلى أن هذا النشاط كان يدرّ مداخيل سنوية تُقدَّر بمليارات الدراهم، لكن خارج أي إطار قانوني أو ضريبي، مع استفادة ضعيفة للفلاح مقارنة بحجم المخاطر. تقنين الاستعمالات الطبية والصناعية نقل هذا النشاط من اقتصاد ظل إلى سلسلة قيمة قانونية، تهدف إلى رفع دخل الفلاح، وتحويل جزء من النشاط إلى صناعة تحويلية محلية، بدل الاكتفاء بدور المزوّد الخام. إذا نجح هذا المسار، فإن القيمة المضافة الممكن خلقها تتجاوز بكثير ما كان يدرّه الاقتصاد غير القانوني، خصوصاً مع التصدير للأسواق الأوروبية والأمريكية.

العنصر الحاسم الثالث في تغيير النموذج هو الاستثمار البنيوي. جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أصبحت اليوم من أكثر الجهات جذباً للاستثمار الصناعي. ميناء طنجة المتوسط وحده يعالج أكثر من 8 ملايين حاوية سنوياً، ويُعد من أكبر الموانئ المتوسطية، ما خلق منظومة صناعية ولوجستية متكاملة، خصوصاً في السيارات، الكابلاج، والصناعات الميكانيكية. هذه الأنشطة خلقت عشرات الآلاف من مناصب الشغل النظامية، ورفعت إنتاجية الجهة، وربطتها مباشرة بسلاسل القيمة العالمية.

لكن التغيير لم يكن اقتصادياً فقط، بل سلوكياً أيضاً. الانتقال من اقتصاد تهريب إلى اقتصاد إنتاج يعني تغيير علاقة السكان بالدولة، وبالضريبة، وبالقانون. وهذا التحول بطبيعته بطيء ومكلف، ويتطلب سياسات مرافقة: تكوين مهني، تمويل المقاولات الصغرى، إدماج الشباب، وحلول انتقالية للفئات التي فقدت مصدر دخلها القديم.

أما الآفاق، فهي مرتبطة بمدى نجاح هذا الانتقال. إذا استمر الاستثمار الصناعي واللوجستي بنفس الوتيرة، وإذا تم توطين جزء أكبر من سلاسل القيمة بدل الاكتفاء بالتجميع، فإن الشمال يمكن أن يتحول خلال العقد المقبل إلى قطب إنتاجي حقيقي، لا مجرد منصة عبور. كما أن نجاح تقنين القنب الهندي يمكن أن يجعل الجهة رائدة في صناعة جديدة ذات هامش ربح مرتفع، شريطة الحوكمة الصارمة ومنع إعادة إنتاج الريع.

في المقابل، الخطر الأكبر يتمثل في ترك فراغ اجتماعي أو بطء في خلق البدائل، ما قد يؤدي إلى عودة أنشطة غير مهيكلة بأشكال جديدة. لذلك، نجاح النموذج الجديد لا يُقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الصادرات، بل بقدرة الاقتصاد على خلق دخل مستقر، وحماية اجتماعية، ومسار اندماج حقيقي للسكان.