رشيـد الإدريسي: "السنة الأمازيغية".. ضرورة المَغْرَبَة والنقد واستبعاد الخلفيات العِرْقية

رشيـد الإدريسي: "السنة الأمازيغية".. ضرورة المَغْرَبَة والنقد واستبعاد الخلفيات العِرْقية الدكتور رشيد الإدريسي
الجينات القاتلة
بعد ترسيم السنة الأمازيغية التي سماها المغاربة طيلة تاريخهم العريق بالسنة الفلاحية، والتي تعامل معها المغاربة بوصفها مناسبة طبيعية، كما تدل على ذلك تسميتها، وكما يدل على ذلك تخليد المغاربة لها تلقائيا وبدرجات متفاوتة من حيث الاهتمام، وفي مختلف جهات المغرب، سواء أكان المُحْتَفِل ناطقا بالدوارج العربية أم باللهجات الأمازيغية أم بالحسانية، وحتى بالعبرية، على اعتبار أن الطائفة اليهودية كانت تابعة في تقاليدها للجهات التي تقيم بها.

ولذلك فإننا رفضنا تسمية "السنة الأمازيغية" بهذا الاسم لأسباب تتمثل في أنها تسمية لا تطابق ما كان يمارسه المغاربة على أرض الواقع طيلة تاريخ وجودهم، كما أنها تُضَيق ما كان متسعا، فتقلب ارتباط هذه المناسبة بالطبيعة لتربطها بالعِرق RACE  والجينات ADN، وهو ما يقوم عليه "الخطاب" النزوعي العنصري الذي تتبناه أصوات تنتمي لما يسمى بالحركة الأمازيغية. ولا يملك أي باحث مغربي تَهُمُه الحقيقة التاريخية ويهمه الأمن الثقافي للمغاربة إلا رفض الصيغة المعتمدة في الاحتفال بهذه المناسبة، والتي هي من تصور ووضع من لا علاقة له بالمغرب ولا تاريخ المغرب، لا بأرقام سنواتها ولا برموزها ولا بشخصياتها ولا بأهدافها القريبة والبعيدة.
 
المراقبة والعقاب
يحيل عنوان "المراقبة والعقاب" إلى أحد أهم كتب ميشيل فوكو، الذي تناول فيه كيفية ضبط السلوك داخل مؤسسة السجن عبر آليات المراقبة، وذلك بهدف إنتاج أفراد مطيعين داخل المجتمع. والسبب في تبنيه هنا في سياق حديثنا عما يسمى بـ "السنة الأمازيغية" هو تلك المراسلات التي أرسلتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والموجهة إلى المؤسسات التعليمية، تطالبها فيها بالاحتفال بهذه الذكرى بصيغة إلزامية قسرية لا تخلو من التهديد.
فما يلفت الانتباه في هذه المراسلات ليس مضمون الدعوة في حد ذاته، بل صيغة الدعوة المتمثلة في ضرورة احترام المدة المحددة للاحتفالات، والمطالبة الصريحة بإعداد تقارير عن الأنشطة التي تم تنظيمها، وإرفاق التقارير بصور توثق للاحتفال، مع تحديد آخر أجل لإرسال الوثائق. هكذا لا يكتفي الخطاب الإداري بإصدار الأمر، بل يسعى إلى تتبع أثره، وتنظيم زمنه، والتحقق من تنفيذه.
 
وواضح أن هذا النوع من المراسلات كتب بعد أن لاحظت الجهة التي صاغت المراسلة أن مسؤولي المؤسسات التعليمية في مراحل سابقة لم يولوا هذا الاحتفال الاهتمام المطلوب، لذلك تم الانتقال إلى اعتماد منطق المراقبة والتهديد المضمَّن في بنية الخطاب ذاته. فكل من يتخلف، أو يتأخر، أو لا يلتزم بالتعليمات، يوضع تلقائيا في موقع الشبهة والمساءلة. وهكذا يصبح الامتثال هو القاعدة، ويغدو الاختلاف أو التحفظ قرين المخالفة، في مناخ ينتج الطاعة لا عبر الاقتناع، بل عبر الخوف من العواقب.

وغياب الاقتناع هنا مشروع؛ إذ كيف يمكننا أن نشرح لطفل مغربي في مقتبل العمر أن سنة 2976، التي توافق 2026، لها علاقة بحدث مرتبط بالملك شيشنق الأول، الذي اعتلى عرش مصر حوالي سنة 950 قبل الميلاد بعد قتله للملك رمسيس الثاني، في حين أن رمسيس الثاني توفي قبل ذلك بزمن طويل، تحديدا سنة 1213 قبل الميلاد، أي قبل شيشنق بما يزيد عن قرنين ونصف؟ فهل سنجعل أبناءنا يحتفلون بالأكاذيب والخرافات؟

وما علاقة المغاربة بالملك شيشنق والملك رمسيس؟ ولماذا نحتفل بقتل ملك لملك آخر لا علاقة لنا بهما معا، كما أنهما لم يسهما لا من بعيد ولا من قريب في صنع تاريخنا؟ وهل حدث القتل مما يستحق أن يُحتفل به؟ وما علاقة الأمازيغية بالفراعنة والثقافة الفرعونية المصرية القديمة، التي كان ينتمي إليها الملك شيشنيق؟

وبماذا سنجيبهم عندما يسألوننا عمن وضع هذا التقويم؟ هل سنقول لهم إن واضعه هو الفرنسي الجزائري الأصل عمار النگادي، وأن تاريخ اعتماده يرجع إلى سنة 1980، وأنه تقويم لا يستند إلى تسلسل تاريخي سببي أو حدث تأسيسي جامع لتاريخ الأمازيغ، بقدر ما يندرج ضمن مشروع إيديولوجي سياسي يسعى إلى فصل الأمازيغ عن التاريخ الهجري، وفصلهم عن عمقهم العربي الذي أكسبهم حضورا في التاريخ الإنساني وأخرجهم من التبعية إلى الاستقلال؟

ربما لكل هذه الأسباب، ولغيرها كثير، وكذا لمعرفة الجهة التي صاغت المراسلة بما قد يجابهها به الرافضون لهذه الخرافات، لجأت لاعتماد هذا الأسلوب في كتابة مراسلتها إلى المؤسسات التعليمية، والتي تعتمد فيها على آليات الإلزام الديني، فيتحول الاحتفال بالسنة الأمازيغية إلى شبه فريضة دينية وشعيرة تتم تأديتها تحت عين السلطة، حيث يصبح الفعل قرين القول، والعقاب أفقا حاضرا، وإن لم يذكر صراحة.
 
خَوَاِرْزمِيات الفتنة
إن الذي يدفعنا للحديث عن الاحتفال بهذه الأسطورة التاريخية بوصفها أشبه بالشعيرة الدينية هو ما بدأ يشيعه بعض النشطاء من كون المغاربة الأمازيغ لهم قرآنهم الخاص، هو القرآن البورغواطي، الذي من المفترض أن يعوض القرآن العربي الذي هو خاص بالعرب. بحيث يُفهم من ذلك أنه يجب أن يكون لكل طرف قرآنه الخاص، ونبيه الخاص، كما يجب أن يكون لكل طرف من العرب والأمازيغ تحيته الخاصة، ولغته الخاصة، وحرفه الخاص، وأسماؤه الخاصة، وتاريخه الخاص، ورموزه الخاصة، ورايته الخاصة، وهلم جرا. بحيث نضع بين المكونات المغربية حواجز نفسية قاتلة تفتح على المغرب باب الطائفية التي لم يسبق للمغاربة أن عرفوها.

وما يهب لهذا السيناريو إمكانية التحقق هو أن هذا الخطاب النزوعي لا يطرح أفكاره القائمة على أخطاء تاريخية فادحة ومغالطات فكرية بوصفها اجتهادات قابلة للنقاش، بل يؤطرها داخل شحنة وجدانية كثيفة من الحقد والكراهية والسلوكيات اللاعقلانية، تجعل منها أداة لتعبئة حشود ضد حشود أخرى، مما يمهد الطريق لتحويل المجتمع المغربي إلى مجتمع متشرذم ومأزوم، تحكمه مشاعر الخوف المتبادل وانعدام الثقة بين مكوناته. ولا يبدو هذا السيناريو بعيد الاحتمال، ما دامت هذه الثنائية الحادة تستثمر وتُغذى بشكل يومي من طرف نزوعيين أمازيغيين ذوي خطاب عنصري، يحظون بدعم جهات متعددة، وينشطون بكثافة على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تُسَهِّل خوارزميات هذه المنصات، وعلى رأسها فيسبوك، مهمتهم عبر آليات انتقائية متحيزة تؤدي دورا مباشرا في نشر العنصرية وتأجيج الصراعات وإنتاج شروط العنف.

وتتضح خطورة هذا النمط من الاشتغال الخطابي حين نضعه في ضوء ما كشفته دراسات حديثة حول العلاقة بين المنصات الرقمية والعنف الجماعي، كما هو الشأن في تحليل الباحث الإسرائيلي يوفال نوح هراري في كتابه "نيكسوس"، حيث خصص أحد فصوله لدراسة الدور المحوري الذي اضطلع به فيسبوك في ميانمار، من خلال تضخيم خطاب الكراهية ضد أقلية الروهينغا، عبر نزع الصفة الإنسانية عن أعضائها، وتصويرهم كدخلاء يختلفون عن السكان الأصليين، وترويج الشائعات والصور المفبركة وخطابات التخويف، بما خلق مناخا نفسيا واجتماعيا أدى إلى الاعتقال التعسفي وفصل الأطفال عن عائلاتهم، كما أدى إلى عنف واسع تُرجم ميدانيا في التهجير القسري، والقتل الجماعي، والاغتصاب المنهجي، وحرق القرى. ومن ثم يمكننا القول إن العنف لا يبدأ بالرصاص، بل يبدأ بالصورة، وبالكلمة، وبالفكرة، وبمنطق تعميق الاختلاف على حساب المشترك الجامع. وهو المنطق ذاته الذي يتغذى عليه الخطاب النزوعي الأمازيغي العنصري، إذ يعيد إنتاج مضامين الفكر الاستعماري ويضخمها في السياق الراهن، مستفيدا من بنيات خوارزمية تملك قدرة هائلة على التوجيه والتضليل داخل فيسبوك وغيره من شبكات التواصل الاجتماعي.

الغُرَف المظلمة
إن استحضار هذه المناسبة أو المطالبة بالاحتفال بها بهذا الشكل الإلزامي، دون إخضاعها للنقد ودون غربلتها ومَغْرَبَتها، والإبقاء عليها كما صُنعت على السريع من طرف عمار النگادي ومُؤَطرة بواسطة الخطاب العنصري، قد تؤدي إلى الإضرار بالنسيج الاجتماعي المغربي وبانسجام مكوناته فيما بينها، وقد ينتج عنها استقطابات ذات خلفيات سياسية عرقية. خاصة وأن بعض النزوعيين العنصريين يعملون على تحويل الأمازيغية إلى شبه دين شوفيني عرقي، يقوم على العداء لكل ما له علاقة بما ترسخ لدى المغاربة من مكونات تنتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية، ويحلمون بإعادة المغاربة إلى مرحلة ما قبل بدء هذه الحضارة، وهو ما قد يؤدي إلى خلخلة اللحمة السياسية والاجتماعية والروحية التي تربط المغاربة فيما بينهم والتي أرست أسسها مجموع الدول التي تعاقبت على حكم المغرب.

قد يقال بأننا نبالغ، ولتأكيد صحة تحليلنا ومطابقته لمقاصد بعض الأصوات في هذا التيار النزوعي العنصري، نُذَكر ببعض ما كان قد نشره موقع ويكيليكس عن اجتماع لنشطاء مغاربة معروفين بأسمائهم، والذين ينتمون إلى هذا التيار العرقي القائم على الحقد والكراهية. وفي هذا الصدد، وفي علاقة بما وضعته وثيقة ويكيليكس تحت عنوان "الدين والثقافة"، نقرأ كلاما فضائحيا خطيرا ورد فيه: "(سِري) فيما يتعلق بالدين، أشار أودادس إلى أن معظم الأمازيغ في المغرب مسلمون، لكن ذلك ليس بالضرورة عن قناعة عميقة. وقال الدكتور يوسف أكوري، ناشط أمازيغي وجراح أعصاب من مكناس، إن المغاربة مسلمون بحكم القانون لا الاختيار، وإن الأمازيغ، لو أُتيح لهم القرار الحر، فقد لا يختارون البقاء على الإسلام. وأضاف أن الأمازيغ كانوا في الأصل روحانيين ووثنيين، وكان بينهم أعداد معتبرة من اليهود والمسيحيين قبل تعريب المغرب. وقال محمد أعجاجة، السياسي الاتحادي السابق ورئيس تحرير مجلة "تيفاويت" الأمازيغية المتوقفة، إنه أمازيغي أولا، وإن الدين مسألة ثانوية".

إن هذا الكلام الذي قيل في سياق لقاء غير متكافئ بين نشطاء نزوعيين عنصريين وفاعل أجنبي، يكشف عن رغبة مسعورة في تشطيب جذري للاستمرارية التاريخية للمجتمع المغربي منذ دخول الإسلام قبل ما يزيد عن 1400 سنة، وذلك بهدف الرجوع إلى لحظة وهمية بوصفها تمثل الأصل النقي. وهو تشطيب يهدف إلى تعليق الشرعية التاريخية للهوية المغربية الجامعة، وتحويل قرون طويلة من التفاعل الثقافي والديني واللغوي إلى ما يشبه القوس العارض أو "الخطأ التاريخي" الذي ينبغي تجاوزه والتخلص منه.

والخطير في هذا الخطاب اللامسؤول أنه يستعمل الـ"ما قبل"؛ الوثنية والمعتقدات الأخرى، سلاحا ضد الـ"ما بعد"، وكأن التاريخ سلسلة من التصادمات لا سلسلة من التحولات، وكأن الهوية لا يمكن أن تكون مركبة أو هجينة، بل إما أن تكون (صافية/نازية) أو أن تحل محلها الفوضى والصراع والتقاتل.

وتكمن فضائحية هذا الكلام الذي قيل في السر، في أنه قيل أمام أجانب، فهو بذلك غير موجه إلى الداخل بقصد الحوار والإصلاح، بل هو عرض هوياتي يتم فيه تقديم المجتمع المغربي بوصفه كيانا فاقدا للنضج، فاقدا للذاكرة، مفككا قابلا لإعادة الهندسة. إنه خطاب صاعق، يتحدث أصحابه عن المغاربة وكأنهم أيتام قاصرون يحتاجون إلى وصاية، وإلى من يتدخل في شؤونهم لمصلحته لا لمصلحتهم. وهو إهانة رمزية لكل المغاربة، إذ ينزع عنهم الأهلية التاريخية والقدرة على حل مشاكلهم بأنفسهم.

ودونما حاجة إلى مزيد تحليل لهذه الوثيقة وغيرها من الوثائق الأخرى التي قد نعود إليها في مقال مستقل، نشير إلى أن أصحاب هذه الأقوال تحكمهم رؤية استشراقية كولونيالية شبيهة بتلك التي تحدث عنها وحللها إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، كما تحكمهم الرغبة في تحويل المغرب إلى أندلس جديدة، ليتم إخضاعه إلى التجربة ذاتها التي خضعت لها الأندلس على يد فرناندو الثاني ملك أراغون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة، واللذَيْن أسسا محاكم التفتيش تحت إشراف الراهب توماس دي توركيمادا الذي لُقب بلقب "مطرقة الزنادقة". والزنادقة اليوم، حسب هذا الخطاب النزوعي العنصري العرقي الذي يركب على الأمازيغية ظلما وعدوانا، هم كل المغاربة الذين يعتزون باللغة العربية وبالمكون الثقافي العربي الإسلامي، والذين يحكم علاقاتهم الانسجام والوحدة والتآخي الذي يراد تحويله إلى عداء.

وكأنني بأصحاب هذا التصور النزوعي يقولون بينهم وبين أنفسهم: إنه إذا أمكن البارحة القضاء على "زنادقة" الأندلس من العرب المسلمين واليهود، واقتلاع كل مكونات الحضارة العربية الإسلامية من إسبانيا والبرتغال، وعلى رأسها المعتقد والحروف واللغة العربية، على الرغم من أنها حضارة دامت ما يقرب من ثمانية قرون، فإنه ليس من المستحيل تكرار ذلك في المغرب اليوم باعتماد النفَس الطويل، وبتحميل الخطاب النزوعي الأمازيغي، ومن ضمنه التقويم الشيشنيقي المسمى بالأمازيغي، أبعادا عرقية، وباعتماد أساليب السب والشتم.

وهذا السيناريو، حتى وإن كان يظهر بعيدا، فإنه بتدخل من الخارج كفيل بأن ينتج من المشاكل ما المغرب في غنى عنه، خاصة إذا ما استحضرنا الشبكات الاجتماعية التي أشرنا إليها أعلاه، والتي لم تعد مجرد فضاءات للتواصل الحر وتبادل الآراء، بل تحولت إلى بنيات شبيهة بالأحزاب السياسية وجماعات الضغط، تُمارَس داخلها أشكال جديدة من التعبئة والتأطير الإيديولوجي، وتُستعمل فيها الخوارزميات بوصفها أدوات فعالة لتوجيه الرأي العام، واستقطاب الأفراد، وغسل الأدمغة بصورة ناعمة، وإعادة برمجة الأذهان، بعيدا عن النقاش العقلاني، وفي غياب شروط التداول الديمقراطي الذي يقوم، في الأصل، على الحجاج والاختلاف.

ضرورة التَّـبْـيِـئَة والمَغْـرَبة
إن ما يُسمّى إجحافا بـ"السنة الأمازيغية" في حاجة إلى مراجعة، وإلى عملية تبيئة تربطها بالبيئة المغربية قبل أي بيئة أخرى. وهو ما يتمثل، أولا، في استعادة التسمية التي اعتمدها المغاربة منذ آلاف السنين، والمتمثلة في تسمية "السنة الفلاحية"، التي هي جزء من الذاكرة التاريخية والثقافية للمغاربة جميعا دون استثناء. وهو ما يترتب عنه ربطها بالمناخ والزرع والخصب، وبالحكمة الجماعية التي ساهم في تشييدها الكل، وكذا بالدورة الفلاحية وإيقاع الأرض، بدل ربطها بهذه السردية السياسية العرقية أو تلك.

إن استحضار هذا الحدث الطبيعي المشترك بين المغاربة جميعا، والذي لا يقبل العرقنة، يقتضي اليوم ضرورة المَغْرَبَة، أي إدراجه ضمن السياق الوطني الجامع، وعدم الإحالة عند ذكره على رموز الآخرين وأسمائهم وتواريخهم، وعدم تبني أحداث تاريخية زائفة بهدف تفسيره، كما هو الشأن بالنسبة إلى قصة شيشنق المضحكة التي تعطي الانطباع للنشء وللذي ليس له اطلاع على تاريخ المغرب، أنه إزاء تاريخ فقير جاف لا أحداث فيه تستحق أن يُحال عليها.

وهذه المَغْرَبَة هي وحدها التي ستجعل من هذا الحدث مناسبة للتذكير بما يوحد المغاربة، وهي وحدها الكفيلة بأن تسد الطريق على من يتآمر على المغاربة في الغرف المظلمة، كما أنها تلغي التوظيف الإيديولوجي لهذا الحدث، الذي يتم تحميله من طرف البعض دلالات سياسية عرقية عنصرية دخيلة، من الممكن أن ينتج عنها صراع هوياتي. فالتاريخ المغربي لم يُصنع بالتقابل أو الإقصاء، بل بالتراكم والتداخل بين روافده، وكل ذكرى وكل مناسبة يجب أن تسير في هذا الاتجاه، وإلا وجب نقدها وتعديلها وتقويمها وإعادة التفكير فيها بما يضمن مصلحة المغاربة جميعا دون استثناء.