العقوبات البديلة تحت مجهر النقد والتحليل بطنجة..تساؤلات التنزيل ورهانات التحديث الجنائي

العقوبات البديلة تحت مجهر النقد والتحليل بطنجة..تساؤلات التنزيل ورهانات التحديث الجنائي جانب من اللقاء
احتضن "بيت الصحافة" بمدينة طنجة، ندوة علمية وطنية تحت عنوان "العقوبات البديلة بين التفعيل والتنزيل". 
الندوة التي نظمتها جمعية "طنجة بين الأمس واليوم" بشراكة مع "نادي الفكر"، عرفت مشاركة نخبة من القضاة والمحامين والأكاديميين. ويأتي هذا اللقاء في سياق نقاش عمومي مفتوح يواكب دخول قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ، وتسليط الضوء على الرهانات العملية والتحديات القانونية التي يطرحها هذا الورش التشريعي الهام.

وفي مداخلة لهاّ، أكدت جميلة العماري، أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة أن قانون العقوبات البديلة يشكّل محطة مفصلية في مسار تحديث السياسة الجنائية بالمغرب، باعتباره تجسيدًا لتحول نوعي في فلسفة العقاب، من منطق الزجر الصرف إلى منطق الإصلاح وإعادة الإدماج، مبرزة أن هذا التوجه يندرج ضمن الجهود الرامية إلى معالجة إشكالية الاكتظاظ السجني، وتحقيق توازن أدق بين متطلبات حماية المجتمع وضمان حقوق المحكوم عليهم.

وشدّدت العماري على أن الرهان الحقيقي لا يكمن في سنّ النصوص القانونية فحسب، بل في القدرة على تفعيلها ميدانيًا، على اعتبار أن التنزيل العملي للعقوبات البديلة يواجه جملة من التحديات القانونية والمؤسساتية، في مقدمتها الحاجة إلى إطار تنظيمي واضح يحدد آليات التنفيذ ويضبط أدوار مختلف المتدخلين، بما يضمن وحدة التطبيق ويحد من التفاوت في الممارسة القضائية.

كما أبرزت أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة أن نجاح هذا النظام يقتضي تأهيل البنية الإدارية والقضائية المكلفة بتتبع تنفيذ العقوبات البديلة، وتوفير الموارد البشرية والتقنية الكفيلة بمواكبة هذا التحول، محذّرة من أن غياب آليات التتبع والتقييم قد يفرغ هذه العقوبات من أهدافها الإصلاحية، ويحوّلها إلى مجرد بدائل شكلية للعقوبات السالبة للحرية.

وخلصت المتحدثة ذاتها إلى أن العقوبات البديلة تمثل فرصة حقيقية لإرساء عدالة جنائية أكثر نجاعة وإنصافًا، شريطة التعامل معها كمنظومة متكاملة لا كنص قانوني معزول، داعية إلى اعتماد مقاربة تشاركية تجمع بين القضاء والإدارة والمجتمع المدني، بما يضمن تنزيلًا فعليًا يحقق الغاية الإصلاحية التي أُحدث من أجلها هذا القانون.
ومن جهته، أكد أنس سعدون، أستاذ بالمعهد العالي للقضاء، الأهمية البالغة لصدور قانون العقوبات البديلة، معتبرًا إياه تمرينًا جديدًا في مسار إصلاح العدالة الجنائية بالمغرب، وتنزيلًا فعليًا لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، واستجابة لمخرجات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة.

وأوضح سعدون أن هذا القانون لا ينبغي اختزاله في أبعاده الاقتصادية أو اعتباره مجرد آلية لتخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، بل يجب النظر إليه كتعبير عن تحول عميق في الفكر العقابي، يقوم على أنسنة العقوبة وإعادة الاعتبار للبعد الإصلاحي والاندماجي، ومنح المحكوم عليهم فرصة ثانية لإعادة بناء مسارهم داخل المجتمع بدل تكريس الإقصاء والوصم الاجتماعي.

وفي عرضه لأهم مضامين القانون، توقف الدكتور سعدون عند تعريف العقوبات البديلة، مبرزًا أنها تشمل العقوبات التي يُحكم بها بدل العقوبات الحبسية التي لا تتجاوز خمس سنوات نافذة، وقد حصرها المشرع في أربعة أصناف، هي: العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، والغرامة اليومية. كما أشار إلى استثناء عدد من الجرائم التي اعتبرها المشرع خطيرة من نطاق تطبيق العقوبات البديلة، من بينها جرائم أمن الدولة والإرهاب، والفساد المالي، وغسل الأموال، والاتجار الدولي في المخدرات، والاستغلال الجنسي للقاصرين، فضلًا عن اشتراط عدم العود، بما يؤكد أن القانون لا يشكل أداة للإفلات من العقاب، بل يوازن بين متطلبات الردع وحماية المجتمع واحترام حقوق المحكوم عليهم.

وعبّر المتدخل ذاته عن تفاؤله بالآفاق التي يفتحها القانون الجديد، مشددًا على ضرورة مواكبة تنزيله بإجراءات موازية، من بينها مراجعة القانون الجنائي لتحقيق الانسجام مع الفلسفة الجديدة للعقوبة، والحد من التضخم الجنائي والميل المفرط إلى العقوبات السالبة للحرية، إلى جانب الإسراع بإخراج السجل الوطني، وتسريع رقمنة المحاكم، وتوفير الموارد المالية والبشرية الكافية، وتكثيف حملات التحسيس، مع إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في إنجاح هذا الورش الإصلاحي الذي يؤسس لما بات يُعرف بـ"العقوبات الصديقة للحرية".

وخلص أنس سعدون إلى أن التحدي الثقافي يظل من أبرز الإكراهات التي ستواجه هذا القانون، داعيًا إلى تغيير الذهنيات لدى الفاعلين في منظومة العدالة ولدى الرأي العام، لترسيخ القناعة بأن العقوبة البديلة ليست تساهلًا مع الجريمة، بل اختيار عقلاني وإنساني يعزز العدالة ويخدم المجتمع.

وتواصلت أشغال اللقاء بمداخلة الحسين الزباخ، أستاذ جامعي زائر، قدّم فيها قراءة تحليلية معمقة لمضامين قانون العقوبات البديلة، مبرزًا عددًا من الإشكالات التي يطرحها، من بينها إشكال التسمية، متسائلًا عن مدى دقة اعتبار العمل لأجل المنفعة العامة عقوبة بديلة، في حين يشكل فرصة لإعادة الإدماج والتأهيل. كما انتقد محدودية البدائل التي جاء بها القانون، معتبرًا أنها غير كافية لمواجهة إشكالية الاكتظاظ السجني، مستشهدًا بكون الغرامة اليومية تظل أكثر العقوبات تطبيقًا في الممارسة القضائية.

وفي السياق ذاته، أكد عبد العزيز الكسكاسي، المحامي بهيئة طنجة، على الأهمية الحقوقية لقانون العقوبات البديلة، خاصة أنه يتزامن مع ورش إصلاح المسطرة الجنائية، مبرزًا أن القانون يهدف إلى إعادة النظر في الفلسفة العقابية من خلال تمكين فئات معينة من المحكوم عليهم من تفادي تنفيذ العقوبات الحبسية مقابل الوفاء بالتزامات محددة تحت إشراف القضاء. كما استحضر نتائج إيجابية لتجارب مقارنة وسّعت من نطاق تطبيق العقوبات البديلة، داعيًا إلى تكثيف جهود التعريف والتحسيس بالقانون، وتعزيز القدرات والموارد البشرية، وتوسيع دور مؤسسة الدفاع باعتبار الحق في الدفاع من ركائز المحاكمة العادلة.

وخلال النقاش العام، أجمع المتدخلون على أنه من السابق لأوانه تقييم قانون لم يمض على دخوله حيز التنفيذ سوى أشهر قليلة، مع التأكيد على ضرورة استحضار المركز القانوني للضحايا وعدم إغفاله، وتسريع رقمنة المحاكم، وتبسيط الولوج إلى المعلومة القانونية، وتعزيز انفتاح الإعلام على القضاء، وتفعيل مؤسسة الناطق الرسمي باسم المحكمة، إضافة إلى دعم التنسيق بين مختلف المتدخلين، والنشر الاستباقي للإحصائيات وتعميمها على الجامعات لتشجيع البحث العلمي.

وتجدر الإشارة إلى أن اللقاء عرف تكريم رئيس المحكمة الابتدائية بالقصر الكبير، محمد الزردة، اعترافًا بإسهاماته في مجال العدالة، كما شهد حضور ثلة من القضاة والمحامين ونساء ورجال الإعلام، إلى جانب أساتذة جامعيين وبرلمانيين وممثلين عن فعاليات المجتمع المدني.