بقدر ما هنالك ملفات قضائية أخطأ قضاتها في التقدير، هناك قضايا ستظل شاهدة على نزاهة القضاء، بل وعلى الحرفية الكبيرة خصوصا في حيثياتها المرتبطة بالمعايير الأممية لحقوق الإنسان..
ومن بين ملفات هذه القضايا التي ستظل علامة فارقة في تاريخ القضاء المغربي، ما قررته المحكمة الابتدائية بالرباط بشأن تبرئة 27 طالبا في كلية الطب تم اعتقالهم على خلفية الاحتجاجات، التي قادها الطلبة بسبب تقليص سنوات الدراسة من سبع إلى ست سنوات.
جريدة "أنفاس بريس"، اطلعت على هذا الحكم، الذي ينتظر تأييده استئنافيا والتصديق عليه في محكمة النقض، في حق فئة من المواطنين كان الهدف من خروجهم للشارع قرابة سنة، واحتجاجهم دفاعا عن الحق في التكوين، يبقى أسمى تعبير عن استقلالية القضاء في المغرب.
في كل مراحل البحث والاستماع إليهم، ظل الكلية ينفون جملة وتفصيلا ما نسب إليهم من تجمهر غير مرخص له، وإهانة موظفين عموميين، وغيرها من التهم.
وهو النفي الذي أكده دفاع الطلبة وفي مقدمتهم عدد من النقباء والمحامين، حيث تقدموا بدفوع شكلية متمثلة في عدم توفر حالة التلبس وغياب محضر معاينة حالة التلبس وعدم توجيه الإنذارات وتلاوة العقوبات، وأن ضباط الشرطة القضائية لم يتقدموا بطلب فض التجمهر وأن هناك خرق الدستور، ملتمسين التصريح ببطلان المتابعة، كما أثار الدفاع عدم توفر حالة التلبس..
فبخصوص جنحة العصيان الموجهة في حق الطلبة، وحيث صرحوا تمهيديا، وفي محاضر قانونية، أنهم لم يعرضوا عناصر القوات العمومية للعنف، وأن بعضهم حاولوا تخليص زملائهم من قبضة القوات العمومية، متشبثين بالإنكار.
وحيث أن المحكمة بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 300 من القانون الجنائي، وعدد من الاجتهادات، فإنها بالرجوع إلى وثائق الملف فلا يوجد أي دليل على قيام المتهمين الطلبة بأية مقاومة أو هجوم بواسطة الايذاء أو العنف ضد الموظف المكلف بتنفيذ القرار أو الأمن، مما تكون معه جنحة العصيان والتحريض عليه غير قائمة في حقهم.
وحيث لم يثبت للمحكمة سواء من خلال تصريحات المتهمين أو من خلال ما راج أمامها عند المناقشة ما يفيد هجوم المتهمين على رجال القوة العمومية ومقاومتهم أو ارتكابهم لأي عنف أو إيذاء في حقهم أو تهديدهم بالعنف، خاصة وأن محضر المعاينة الذي أنجزه ضابط الشرطة القضائية، أثناء التجمهر لم يتضمن الإشارة إلى كون المتهمين استعملوا العنف أو الايذاء أو التهديد بالعنف المماثل للعنف نفسه في حق ممثلي السلطة العامة.
وحيث أن العناصر التكوينية لجنحة العصيان وفق ما يتضمنه الفصلين 300-302 من القانون الجنائي غير قائمة في نازلة الحال ويتعين عدم مؤاخذتهم من اجلها، والتصريح ببراءتهم منها، عملا بالمبدأ المنصوص عليه في المادة 1 من قانون المسطرة الجنائية والقاضي بأن الأصل في الإنسان البراءة، وأن الأحكام الجنائية لا تبنى على الشك والتخمين بل على الجزم واليقين.
أما بالنسبة لجنحة المشاركة في تجمهر غير مرخص وعدم الانسحاب منه بعد توجيه الإنذارات القانونية، فإنه حيث صرح المتهمين تمهيديا، وفي محاضر قانونية أنهم ساعة ايقافهم كانوا بالقرب من شارع عبد الرحيم بوعبيد قبالة مستشفى ابن سينا، وهو المكان الذي كان مقررا من طرف تنسيقية طلب طب الأسنان والصيدلة التجمع فيه.
وحيث يتبين أن العناصر التكوينية لجنحة المشاركة في تجمهر غير مرخص تتمثل في وجود تجمع أو تجمهر وغياب السلمية وأن يترتب عن ذلك الاخلال بالأمن العام وعدم الامتثال الأوامر السلطات الرامية لرفض التجمهر بعد توجيه الإنذارات وتلاوة المقويات، ووجود نية مشتركة بين المتجمهرين لتحقيق غاية معينة، وحيث إنه، وبالتأمل في وقائع القضية لا سيما ما تم توثيقه بمحضر المعاينة والانتقال المنجز على ذمة المسطرة، أن ضابط الشرطة القضائية محرر المحضر، ولئن كان قد ارتدى الزي النظامي وحمل الشارة النظامية ووجه للمتجمهرين ثلاث إنذارات لأجل فض التجمهر، الا انه لم يعمل على تلاوة العقوبات المنصوص عليها في الفقرة الثانية من الفصل 21 من قانون التجمعات، والتي تعد عنصرا من العناصر التكوينية لجنحة المشاركة في تجمهر غير مرخص طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 21 من ظهير التجمعات العمومية.
وحيث أن غاية المشرع من تلاوة العقوبات على المتجمهرين هي توعيتهم بالمسؤوليات القانونية التي قد يتحملونها إذا لم يمتثلوا للأوامر، وبالتالي فهي تعتبر من الضمانات الأساسية لتحقيق الشرعية وحماية الحريات.
وحيث أن عدم تلاوة السلطات للعقوبات المنصوص عليها قانونا يؤدي الى انعدام الأركان التكوينية لجنحة التجمهر غير المرخص، الأمر الذي يقتضي معه التصريح بعدم مؤاخذة المتهمين من أجلها.
لهذه الأسباب، حكمت المحكمة علنيا - ابتدائيا - وحضوريا في الدعوى العمومية، برفض الدفوع الشكلية في الموضوع، بعدم مؤاخذة المتهمين من أجل ما نسب إليهم والتصريح ببراءتهم مع تحميل الخزينة العامة الصائر
بهذا صدر الحكم وكانت الهيئة مكونة من السادة: محسن حشحوش (رئيسا)، عمر بريان (ممثل النيابة العامة)، ماء العينين لغظف (كاتب الضبط).