بدأت الحكاية بغياب.
غياب الاحساس بالألم في طرف القدم اليسرى، حيث يقبع ذاك الإصبع الصغير، المتواضع في حضوره، والهامشي في وظيفته.
وبعد أسابيع، أخذ الإصبع يتحول إلى اللون الأزرق، وكأن روح الحياة بدأت تتسرب منه ببطء.
ثم، ومع مرور الشهور، ازداد ظلمةً حتى صار أسود، كالثمرة المنسية تحت شمس حارقة، وبدأ بالتقرّح.
الإصبع يتألم، ولكن صاحبه لا يشعر.
على الأقل، ليس بعد.
ورغم الاحتكاك بجدران الحذاء من الداخل، ورغم الجروح والخدوش، لا ألم، ولا إنذار.
إن صمت الأعصاب الخاملة هذا خادع، إذ يأتي اليوم الذي تستيقظ فيه الآلام.
آلام خافتة، لكنها عنيدة، لا تفارق صاحبها.
لا المسكنات تهدئها، ولا حتى المورفين ينال منها.
أما الطبيب، فلم يكن بحاجة إلى انتظار التحاليل أو الصور الطبية.
رائحة نفاذة، لاذعة، عفنة كافية لتكون تشخيصًا بحد ذاتها.
إنها الغنغرينا، وقد بدأت بالتهام الأنسجة كحريق يزحف على أرض يابسة.
تمضي الغنغرينا في طريقها بلا هوادة، تتسلل بخبث، وتهدد بالانتشار إلى ما هو أبعد من القدم.
وهكذا، جاء الحكم قاسيًا، حاسمًا كحد السكين:
البتر هو السبيل الوحيد لإيقاف زحف هذا المتوحش الكاسر، مع أمل ضعيف، لكنه حقيقي، في إنقاذ الساق.
أما السبب؟
فهو موت الأنسجة.
ذاك الإصبع الصغير، المحروم من الدماء التي تبعث فيه الحياة، قد اختنق حتى الموت.
الأوعية الدموية الدقيقة، تلك القنوات الصغيرة التي تحمل الدم والأكسجين إلى أقاصي الجسد، انسدت بفعل الإنكماش الذي استمر عقودًا.
والمجرم في هذه المأساة الصامتة معروف جيدًا: إنه التبغ.
خمسون عامًا من السجائر.
عادة قاتلة بدأت في سن الخامسة عشرة، لتصبح كل نفخة دخان بمثابة مسمار جديد يُدق في نعش الشرايين، حتى انقطع سريانها نهائيًا.
ومع ذلك، هذه القصة ليست خالية تمامًا من الأمل.
لا، الغنغرينا والبتر ليسا حتمية مطلقة.
التوقف عن التدخين، مراقبة الأوعية، والإصغاء إلى إشارات الجسد، قد يفتح بابًا لنهاية مختلفة، أكثر رحمة.
ولكن، هل يجب الانتظار حتى يموت إصبع ليتخذ الإنسان قرارًا بالعيش؟
لكن، أي عيش هذا، وقد بُترت قطعة من الجسد، بل ربما أكثر؟
للأسف، قد يكون الوقت قد فات.
فالغنغرينا لا تعرف التوقف، ولا تكتفي بالأطراف، حتى تصل إلى بتر الحياة نفسها.
مفترسات صامتة أخرى تهدد الإصبع الصغير بالبتر.