لم يهدأ الجدل الذي أثاره وزير الخارجية الجزائري حين سئل مؤخرا عن علاقة بلاده بالسلطات السورية الجديدة، حيث قال بأن بلاده تتعامل مع الدول ولا تتعامل مع الحكومات، حتى جاء بيان الخارجية المالية ليوجه ضربة جديدة ليس للديبلوماسية الجزائرية وحدها، وإنما لمجمل سياسات الجزائر الخارجية والداخلية على حد سواء..
لا يخفى على أحد من المتابعين، أن الوساطة الجزائرية بين فرقاء مالي قد انتهت إلى لا شيء، لا بل إن العلاقات بين البلدين ساءت إلى درجة لم تعرفها الجزائر على مدى تاريخها، حيث استحالت علاقات مالي والجزائر إلى علاقات عدائية وصلت حد الاشتباك المسلح من خلال المواجهات التي جرت بين الجيش المالي وقبائل التوارق.. حيث لم تفلح جماعات فاغنر الروسية التي دخلت مالي عبر البوابة الجزائري، وبموافقة منها، في صد مسلحي التوارق من الانتصار لحقوقهم بعد هجمات من الجيش المالي ضد قراهم..
في الآونة الأخيرة، أدلى وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، بتصريحات حول استراتيجية مالي في مكافحة الإرهاب. هذه التصريحات أثارت استياء الحكومة المالية، التي اعتبرتها تدخلاً في شؤونها الداخلية.
وأعربت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في مالي في بيان لها أمس الأربعاء عن دهشتها واستيائها من تصريحات عطاف، مشيرة إلى أنها تعيد إلى الأذهان اتهامات سابقة وجهتها مالي للجزائر بدعم جماعات إرهابية تهدد استقرار البلاد.
البيان أشار إلى أن النجاحات التي حققتها القوات المسلحة المالية في محاربة الإرهاب قد أزعجت بعض المسؤولين الجزائريين، الذين وصفهم البيان بأنهم "يحنّون إلى فترة سابقة"، مما يتنافى مع مصالح الأمن والاستقرار في مالي.
كما دعت الخارجية المالية الجزائر إلى التركيز على معالجة أزماتها الداخلية، بما في ذلك قضية منطقة القبائل، وعدم استخدام مالي كأداة لتحقيق أهداف سياسية خارجية.
في المقابل، رد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بحزم على تصريحات مسؤول مالي في الأمم المتحدة، واصفًا كلامه بأنه "وضيع" وغير لائق.
هذا التوتر الدبلوماسي يعكس تعقيدات العلاقات بين الجزائر ومالي، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.
وإذا أضفنا لذلك فشل الديبلوماسية الجزائرية في تقديم أي مساعدة لليبيين في تجاوز خلافاتهم الداخلية، وتصاعد الأزمة مع باريس، هذا فضلا عن علاقاته المتوترة أصلام معت المغرب، يمكننا الوصول إلى نتيجة مفادها إدمان الفشل، أو عشق الفشل وعدم القدرة على المرونة والتعامل مع التطورات المتسارعة التي تعرفها منطقتنا والعالم.
من حق النظام الجزائري أن يدمن الفشل كما يريد، لو أن الأمر يتعلق بنظام الحكم وحده، ولكن الفشل ستكون له انعكاسات سلبية على أمن وسلامة الجزائر أولا، ثم على أمن واستقرار المنطقة والعالم..
ويزداد الأمر خطورة إذا أخذنا بعين الاعتبار تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تنويع الموارد الاقتصادية والاكتفاء بثروات النفط والغاز.. وهو أمر لا يعني إلا الاستمرار في الاستخفاف بقدرات الجزائريين ومنعهم من تنويع مواردهم الاقتصادية عبر بوابات الشفافية المتعارف عليها..
والخطورة الأكبر التي تنذر بتكرار النموذج السوري في بلادنا، هي أن إدمان الفشل انسحب أيضا على آليات الحوار السياسي المطلوب بين القوى السياسية والفرقاء الجزائريين حول قضايا الشأن العام، والسبب هو رفض القيادات العسكرية الحاكم الفعلي للجزائر التسليم بمدنية الدولة، والاعتراف بالتعددية السياسية الحقيقية...
إنها صرخة جزائري أبى على نفسه إلا أن يكون ناصحا أمينا لبلاده، أن تعليق الفشل على شماعة عداوات خارجية وهمية لم يعد يقنع أحدا من الجزائريين، ولا يمكنه أن يفيد شيئا مستقبل البلاد والعباد.. وحدها المراجعات الجادة ووقف الكيد للجوار والتعامل بروح الجيرة والأخوة مع الأقارب والندية الكاملة مع المستعمرين القدامى..
اللهم قد بلغت اللهم فاشهد..