ونحن نودع سنة 2024 بكل مآسيها وجراحها العميقة على مستوى الساحة الفنية، استقبلنا السنة الجديدة 2025 بنبأ حزين ومؤلم، يتعلق بوفاة الشيخ الوقور والمحترم قيد حياته المبدع "الشيخ عمر بن هدي" رحمه الله وأحسن إليه.
إنه خبر حزين ومؤلم جدا...نعم لقد تيتمت مدرسة جمعة سحيم لفن العيطة الحصباوية البلدية وهي تفقد أحد فطاحلة شيوخها الذي ورث كل أسرارها الموسيقية والغنائية والإبداعية ونحن نودع سنة 2024، ليلتحق برفاقه رواد هذه المدرسة العتيدة، وعلى رأسهم نذكر الشيخ "الْبَدْرِي" والشيخ "أحْمَدْ بَنْ خَدُّوجْ" إلى جانب شيخه ومعلمه الفقيد "عَبْدْ الرَّحْمَانْ التّْرِيَّنْ" الذي وافته المنية يوم الأربعاء فاتح يناير 2025.
وداعا سيدي عمر بن هدي، الإنسان، والفنان المبدع، والموسيقي الطروب...عرفته في حفل تكريم سابق لشيخه المرحوم عبد الرحمان الترين بمدينة اليوسفية من طرف جمعية تراث أحمر للتنمية والأعمال الاجتماعية في بداية سنة 2000، حيث كانت شخصيته مبهرة وهو يمتطي صهوة الآلة الوترية العبدية بجانب المجموعة العبدية، أمام جمهور غفير حج للإستمتاع بأداء قل نظيره وتقديم عيوط كان لا يقترب من أدائها إلا من تشبع بفن وتراث العيطة الحصباوية الجميلة...كان يتصبب عرقا وهو يؤدي عيطة "سيدي حسن"
لقد رحلت عنا سيدي عمر بن هدي دون استئذان، ودون أن تقول كلمتك الأخيرة التي أصررت على عدم البوح بها في زمن التفاهة والسفاهة والإبتذال...لأنك ببساطة فنان طيب المنبت الأصيل، والأخلاق الرفيعة.
أنت الذي فضلت أن تبقى وفيا للعهد وتكافح بجانب رفاق الدرب هناك، على متن صهوة آلتك الوترية وحمولتك الفنية والتراثية التي ورثتها عن شيخك ومعلمك ومن رافقك من الشيوخ من الرعيل الأول، حاملا مشعل مدرسة سحيم للعيطة الحصباوية البلدية التي كنتم تحفظونها وتصونونها في صدوركم في انتظار التوثيق الصحيح والسليم. كما كان وما زال يرددها صديقنا جواد ابن المرحوم عبد الرحمان الترين رغم الإكراهات المتعددة.
عزاؤنا واحد للفاعل الجمعوي جواد "الترين" الذي يتقاتل من أجل رد الاعتبار لهذا النمط العيطي بمجال عبدة الساحرة، والذي حارب بجانبكم من أجل رد الاعتبار للعيطة الحصباوية البلدية التي تحتاج إلى إعادة النظر، وعمق البصر، والآذان الصاغية، والرغبة القوية لإعادة صياغة متونها، بدل زخرفتها...من أجل عيون الإعلام أو من أجل الشّهرة.
عزاؤنا للإبن البار، جواد "الترين" الذي كان ومازال يترافع عن العيطة الحصباوية البلدية بمجال عبدة ومنطقة جمعة اسحيم، لأنه كان يعلم ويعرف أن بجانبه رجالا يحرسونها ويحافظون عليها، من تقلبات الزمن، ووفرة الرؤى، ويحفظونها في صدورهم في انتظار توثيق ما جادت به حناجر شيوخ حملوا أمانة العيطة وأقسموا على صيانة شرفها، وصونها من تقلبات الزمن ومن ذكاء "الْمَرْمَادَةْ" الذين عرفوا كيف يملئون المكان الفارغ في مربَّع العيطة "غا بَلِّي كَانْ" حسب تعبيره
وداعا سيدي عمر بن هدي، لقد رحلت عن عالمنا البئيس حاملا معك غصة أليمة في قلبك المجروح...رحلت عنا وأنت على يقين تام بأن هناك خصاص مهول حاصل في متون وعناوين هذه العيطة الجريحة، دون الحديث عن قلة المراجع الحافظة لها كما أشار مرات عديدة رفيق دربك جواد "الترين"
وداعا سيدي عمر بن هدي، لقد قمت رفقة مجموعتك الرائدة بعملية سدّ الفراغ بنجاح دون الانتباه إلى الفرق الكبير بين ما هو تراثي، وما هو إبداعي كما وقع في عملية الخلط الذي شهدها فيلم "خَرْبُوشَةْ" الذي لم يفرِّق مخرجه بين العمل المتخيل الذي يكون فيه الإبداع أهم خصائصه، وبين العمل التاريخي الذي تكون أحداثه التاريخية حقيقية وواقعة...
إن العيطة الحصباوية البلدية تذرف الدموع الحارقة بعد أن فقدت أحد أعمدتها رحمة الله عليه، وستظل شامخة في وجه خصومها، لأنها حسب قول جواد "الترين" وقعت ضحية هذا ـ البين بين ـ بين ما هو تراثي لا يحتمل التحديث، وبين ضرورة "قْضِي بَلِّي كَانْ" لتكون النتيجة عَيْطَةْ حَصْبَاوِيَّةْ مشوهة، منقوصة الأطراف. أو خضعت لعمليات زرع الأعضاء لتوثق عيطة "حَاجْتِي فِي ﮜْرِينِي" بدون عْصَابَةْ، وعيطة "بِينْ الجَّمْعَةْ وَالثّْلَاثْ" بدون مدخل.
أما عيطة "الرَّاضُونِي" التي كانت تضنيك وترهقك رفقتك الشيوخ الرّواد، فقد أصبح "مَنْ وَالَى يَرْكَبْ عْلِيهَا" مع قَصْ عَتْبَةْ الْحَضَّارِي، والتي تعد هي المحور الرئيسي لظهور "عَيْطَةْ الرَّاضُونِي" لما تتضمنه هذه الْعَتْبَةْ من حَبَّاتْ الرّثاء في شخص المرحوم القايد عيسى بن عمر. ناهيك عن المتغيرات الكثيرة في المصطلحات القديمة التي عوضتها أخرى مستحدثة. أما بخصوص عَيْطَةْ "تْكَبَّتْ الْخَيْلْ عْلَى الْخَيْلْ" فحدث ولا حرج.
لقد أكد جواد "الترين" في عدة كتابات سابقة كان الفقيد الشيخ عمر بن هدي فاعلا في مضمونها باعتباره رائدا كبيرا من رواد فن العيطة بأن الحديث عن حال ومآل العيطة الحصباوية بإقليم آسفي، لا تسعه الكتابة، ولا الإشارات، ولا الملاحظات، بقدر ما يحتاج إلى إعادة النظر، وعمق البصر، والآذان الصاغية، ورغبة قوية في إعادة التراث للعيطة الحصباوية بدل زخرفتها...من أجل عيون الإعلام أو من أجل الشّهرة، ولا يخفى على ذوي الإختصاص الأسباب الحقيقية وراء هذا التلاعب والعشوائية في الكيفية التي تمت بها لملمة تاريخ العيطة وتدوين متونها دون تمحيص، ودون غربلة، بل دون الرجوع إلى هوّية العيطة الحصباوية الحقيقية.
ودعناك سيدي عمر بن هدي، ونحن نودع سنة مشوهة فنيا وإبداعيا على مستوى الموسيقى والغناء التقليدي، فقدناك وأنت تحمل غصة في قلبك الجريح بسبب التعسف الذي طال العيطة الحصباوية وحرمانها من الوقت الكافي الذي يعد أهم عنصر في تركيبتها لزخم مُتُونِهَا و "فِيرَاجَاتِهَا" وفسحاتها التي لم نعد نسمعها مع معتنقي هذا الفن النبيل...حيث بتنا نسمع عيطة "الراضوني" التي كنت تحرص على أدائها المتميزة وأنت تتصبب عرقا، تؤدى اليوم في توقيت لا يتجاوز عشرة دقائق، في حين كان أداء هذه العيطة بصيغتك رفقة شيوخ مدرسة اسحيم الذين يعرفون قيمتها يتجاوزون الساعة دون انتباه للوقت بقدر انتباههم وتركيزهم على كل "حَبَّةْ، حَبَّةْ "
سيظل طيفك وروحك الطيبة يحلقان في سماء منطقة عبدة، وسيبقى صوتك الرخيم يزعج ويرهب المتربصين بموروثنا الفني العبدي، من أجل الترافع عن القيمة التراثية والفنية للعيطة الحصباوية وفي سبيل إعادة صياغة شكلها التاريخي، كيف لا وقد تركت خلفك رجالا يحرسون مدرسة سحيم بشيوخها ومريديها وعشاقها.
نم قرير العين فقد تركت رجالا نعتبرهم حقيقة هم الحصن المنيع والزاوية التي تحافظ على الأصول.