مع التطورات الدراماتيكية المتسارعة التي أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد، يشكل العسكر الجزائري مشروعا جيدا للاندثار، خاصة أن “نظام شنقريحة” لا يترك أي فرصة تمر دون أن يعرب عن مساندته للنظام السوري، حتى في اللحظة التي كان فيها هذا النظام يعيش ساعاته الأخيرة. ذلك أن وزارة الخارجية الجزائرية سارعت، بمجرد شروع المعارضة السورية بكل أطيافها في الانقضاض على السلطة، إلى نشر بيان رسمي، يوم الثلاثاء 3 دجنبر 2024، تعلن فيه دعمها المطلق للسلطة السورية!.
وجاء في البيان الجزائري أن وزير الخارجية أحمد عطاف أجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره السوري، بسام صباغ، ما “سمح للسيد وزير الدولة بالاطلاع على التطورات الأخيرة للأوضاع بشمال سوريا، وتأكيد موقف الجزائر الثابت وتضامنها المطلق مع الجمهورية العربية السورية الشقيقة، دولة وشعبا، في مواجهة التهديدات الإرهابية التي تتربص بسيادتها ووحدتها وحرمة أراضيها، وكذا أمنها واستقرارها“.
يتضح، إذن، أن العسكر الجزائري ظل إلى آخر لحظة يراهن على نظام بشار الأسد، خاصة بعد الضربات الساحقة التي تعرض إليها حلفاؤه الاستراتيجيين في المنطقة “حزب الله وإيران وهما معا متورطان في تدريب البوليساريو“، وبعد انشغال روسيا بحربها المستمرة مع أوكرانيا المدعومة من حلف الناتو، معتقدا أن دمشق محصنه أمنيا وعسكريا ولن يطالها الانهيار، كما وقع سابقا في العراق أو اليمن. بينما ظل المغرب، منذ انقطاع العلاقات مع دمشق سنة 2012، على موقفه الذي عبر عنه الملك محمد السادس بكل وضوح في رسالته الموجهة إلى “مؤتمر أصدقاء الشعب السوري“ بمراكش في دجنبر 2012. إذ أبرز أن “الهدف الأسمى الذي يسعى المغرب إلى بلوغه هو إنضاج وصياغة المقاربات الملائمة والخطط الفاعلة الكفيلة بمساعدة سوريا الشقيقة على تجاوز الأزمة العميقة التي تمر بها٬ وعلى تحقيق الانتقال الديمقراطي المأمول٬ بما يحفظ لسوريا سيادتها ويصون وحدتها الوطنية والترابية“.
ومن أوجه الرؤية المتبصرة والنافذة والاستشرافية للمغرب أنه ظل يشترط، لعودة سوريا إلى الجامعة العربية، التعامل مع المعارضة السياسية السورية بطريقة تمنح جميع السوريين صوتا لتقرير مستقبلهم، والتوجه نحو مسار سياسي يفضي إلى حل شامل ودائم للأزمة. كما يشترط إعلان سوريا عن إنهاء دعمها لجبهة البوليساريو الانفصالية تواطؤا مع الجزائر وإيران، لحساب المس بالوحدة الترابية للمغرب والنيل من قضيته الوطنية الأولى. عكس ذلك، أثبت حكام الجزائر ، حاليا، أنهم لا يمتلكون أي رؤية استباقية، ولا أي قناعة تفيد بأن القبضة العسكرية إلى زوال، وأن “الشرق الأوسط“ الجديد يخضع لحسابات جيو استراتيجية تغيب تفاصيلها عن قصر المرادية، ومنها أن النظام الشموالي “الحزب الوحيد“ إلى زوال، وليس أدل على ذلك من التطورات المتسارعة في الميدان، والمسافة التي تتخذها إيران من كل التحولات التي تجري، والتي لا تصلح معها البلاغة اللغوية القديمة، ولا الاصطفاف في ما يسمى “محور الممانعة“.
لقد كان موقف المغرب واضحا حين ذكر بأن الأزمة، في ظل حكم الأسد، انعكست سلبا على السوريين في وضعهم المعيشي وفي تطلعاتهم للمساهمة الفعالة في تدبير شؤون بلادهم، وكان هذا الموقف واضحا حين قبل، في العام 2023،بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية بوساطة سعودية، شرط أن تساعد الدينامية العربية في تحقيق انفراج في الأزمة على النحو الذي يحول دون تحويل هذا البلد الى مستنقع لتصفية حسابات سياسية لأطراف خارجية، وعلى النحو الذي يتيح للسوريين جميعا الخروج من انكساراتهم والثقة في قدراتهم للمساهمة في تسيير الشأن العام.
أما النظام الجزائري، الذي تربطه بالنظام السوري قواسم مشتركة على أكثر من واجهة، فقد كان واضحا جدا في وصف “ثورة السوريين“ بـ “الاعتداء الإرهابي“، وكان واضحا في إعلان دعمه اللامشروط لبشار الأسد، بل إنه استعمل كل ثقله الديبلوماسي حين احتضن القمة العربية في العام 2022 من أجل عودة سوريا إلى الجامعة العربية، لكن سعيه كان دون أن طائل. وهو ما يعني أنه، إذا لم يخرج “العسكرتارية“ على وجه العجل، سيلقى المصير نفسه على يد أحرار الجزائر المتطلعين إلى حكم مدني حقيقي متعدد تلعب فيه الحرية والديمقراطية والمؤسسات دورا حاسما في إرجاع الجيش إلى الثكنات، وفق التداول على السلطة بين الأحزاب السياسية القائمة، ووفق التنافس الديمقراطي حول البرامج والسياسات، بما يعود بالنفع على الشعب الجزائري التواق إلى استعادة الحكم من أيدي كابرانات الجيش.
علينا ألا ننسى أن الدم المغربي ما زال ساخنا في جبل الشيخ وهضبة الجولان بسوريا “حرب أكتوبر 1973“، وأن التجريدة العسكرية المغربية أبلت البلاء الحسن حين تشابك المغاربة والسوريون، جنبا إلى جنب، مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، فألحقوا به هزيمة نكراء أسقطت فيها المدافع العربية عشرات الطائرات الإسرائيلية بالميدان، غير أن الجنود المغاربة سقطوا تباعا (170 شهيدا) جراء خيانة سلاح الجو السوري الذي توقف - بناء على أوامر الرئيس حافظ الأسد - عن الضربات الجوية لتعزيز القوات البرية المتشابكة مع المدرعات الصهيونية، ما فسح المجال لحوالي 90 طائرة أمريكية بتوجيه ضربات جوية للقوات المغربية والسورية التي كانت عارية الظهر.
إن دعم شنقريحة وتابعه تبون لبشار الأسد في اللحظة نفسها التي قرر فيها هذا الأخير الفرار من سوريا بسرية تامة، يكشف أن النظام الجزائري عاجز عن قراءة الواقع، وعاجز عن تحليل المعطيات الجيوسياسية بشكل دقيق وملائم. وعاجز عن إدراك ما يجري من تحولات في الميدان، وخارج الشعارات والخطابة والأماني، بل خارج الدفء الروسي أو الإيراني، ما يجعل هذا السؤال مطروحا: كيف ستبرر الجزائر هذا الحرج بعد السقوط المدوي لحلفائها أو انشغالهم بأزماتهم الخاصة؟ وهل ستستمر في ملاحقة معزوفة “القوة الضاربة” إفريقيا وعالميا، أم ستستوعب جيدا درس سوريا، بما يتيح للتعبيرات السياسية الجزائرية المعارضة الكشف عن برامجها دون خوف من “استبداد العسكر“ بأجهزته الأمنية والمخابراتية؟.
هناك بالفعل خصائص مشتركة عديدة بين سوريا الأسد وجزائر شنقريحة. “حزب البعث“ مقابل “حزب جبهة التحرير الوطني“. “الرئاسة المؤبدة“ مقابل “الرئيس المنتدب لدى الجيش“. حكم المخابرات مقابله حكم المخابرات.
مطاردة المعارضين أو تصفيتهم أو اختطافهم أو محاكمتهم بتهم المساس بأمن الدولة والتآمر أو الخيانة أو التخابر مع جهات معادية. وتبشر هذه الخصائص المشتركة “بين سوريا الأسد وجزائر شنقريحة“ بأن رياح التغيير قادمة لا محالة إلى الجزائر، بما يجعل من “القوة الضاربة“ آلة تعمل ضد الشعب الذي يرغب في إقرار نظام سياسي نابع من التعبيرات التي تخترقه، وليس نظاما متهافتا ما زال عملاؤه يعزفون أسطوانة “تاريخ حرب التحرير“ ومواجهة الأطماع الأجنبية.. إلخ.
لا شك، إذن، أن سقوط نظام الأسد سيتيح للمغرب إقامة علاقة جديدة مع سوريا، خاصة أن المغرب لم يخف دعمه للمعارضة السورية، بل استقبلها بحفاوة واعترف بحقها في لعب أدوار سياسية في بلادها. أما الجزائر الداعمة للنظام الاستبدادي في دمشق فبل انفراط عقده، فإنها مرغمة، ما لم تأخذها “العزة بالإثم“، إلى تغيير موقفها على نحو جذري من “الثورة السورية“، وتقديم اعتذار للسوريين الذين انتفضوا بمختلف تشكيلاتهم السياسية أو المذهبية ضد القمع. كما أنها مجبرة على استعادة “جنودها وجنود البوليساريو“ الذين كانوا يقاتلون في صفوف النظام السوري، تماشيا مع موقف الجزائر الذي كان داعما للنظام المطاح به.
إن ما يجري في الشرق الأوسط من نقلات حاسمة على رقعة شطرنج يلعبها الكبار تسمح بالقول إن الجزائر، المأخوذة بـ “أنفها“، تعيش أسوأ حالاتها، لا سيما أنها تقع خارج ما تصنعه التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم. لم تقرأ جيدا ما وقع في لبنان أو ٱيران، ونظرت بكسل تام إلى المصالحة التاريخية بين السعودية وإيران، ولم تستوعب الحضور الطاغي لواشنطن في المنطقة، ولم تدرك حقيقة الانكماش التي أبدته موسكو حيال ما يجري من تقلبات، ولم تعر اهتماما لحياد الصين وتحركات تركيا المحسوبة في ركاب أمريكا، وغابت عنها التطورات الحاصلة في الميدان.
حالة الجزائر الآن، مع حكم عسكر شنقريحة وغرورهم الهائل، لا تسر عدوا، ولا صديقا. فإما أن تزيح عنها “البزة العسكرية“ إلى غير رجعة، وإلا فهي “ثورة الأحرار“ ضد “الثورة الجزائرية المسروقة“ حتى يسترد الشعب الجزائري سيادته، وحتى تفرغ سجون المخابرات الجزائرية من الصحافيين والحقوقيين والكتاب والمعارضين..
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"