يتجلى قطاع الطاكسيات في المغرب كواحد من أكثر القطاعات حيوية، لكنه في الوقت نفسه يعاني من اختلالات هيكلية عميقة تجعل من إصلاحه ضرورة ملحة. كلما ركبت تاكسي صغير، أجد نفسي مدفوعًا للدخول في نقاشات مع السائقين، محاولًا من خلال أسئلتي البسيطة فهم طبيعة هذا القطاع الغريب والمعقد. أراقب ظروف السائق ومستوى رفاهيته، وأقارن بين حال الطاكسيات في المغرب ونظيراتها بالخارج، وهو ما يكشف لي الكثير من الفوارق والاختلالات.
ساعات العمل والدخل: معاناة يومية
عادةً ما يعمل سائقو الطاكسي لساعات طويلة تمتد من 6 إلى 12 ساعة متواصلة، مع توزيع الأوقات بين “سائقي النهار” و”سائقي الليل”. بالرغم من هذا الجهد الكبير، يبقى الدخل اليومي الصافي في حدود 100 إلى 150 درهم فقط، وهو ما يعكس واقعًا اقتصاديًا صعبًا لهذه الفئة المهنية. أما على مستوى الفئات العمرية، فإن الغالبية العظمى من السائقين هم من المسنين، مع وجود نسبة أقل بكثير من الشباب الذين يبدو أنهم ينفرون من هذه المهنة الشاقة.
الوضع الاجتماعي للسائقين
أغلب السائقين الذين ألتقيهم يعيشون أوضاعًا اجتماعية متواضعة، حيث تجد أن معظمهم متزوجون، ولديهم أطفال ومسؤوليات أسرية تتعدى حدود الأسرة النووية لتشمل في كثير من الأحيان إعالة الوالدين. من اللافت للنظر أن قلة قليلة فقط من السائقين يمتلكون السيارة أو “الكريما”، ما يثير تساؤلات حول عدالة توزيع هذه الموارد والتراخيص التي تعد مصدر رزق مهم.
تحديات القطاع: بين الإنسان والمركبة
مع اقتراب تنظيم المغرب لنهائيات كأس العالم، يطرح تساؤل ملح: هل سيبقى قطاع النقل عبر الطاكسيات على حاله، خصوصًا في المدن التي ستحتضن هذه التظاهرة العالمية؟ وهل يمكن أن نوسع الحديث ليشمل التاكسيات البيضاء العاملة داخل المدن وخارجها وحتى في الوسط القروي؟
المسؤولية في هذا الملف تتوزع بين وزارتين: وزارة الداخلية ووزارة النقل. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الجهود التي بذلتها وزارة النقل في عهد عزيز الرباح، حيث خصصت ميزانيات كبيرة لتجديد أسطول الطاكسيات، مما أسهم في تحسين جزئي للحظيرة. لكن يبقى التحدي الأكبر متمثلًا في تحسين أوضاع الإنسان (السائق) وتجديد البنية التحتية للمركبات.
حادثة الدار البيضاء: مؤشر على أزمة أعمق
ما حدث مؤخرًا في الدار البيضاء، عندما تعرض مواطن روسي لاعتداء من قبل سائقي الطاكسي بسبب استخدامه لتطبيق “Indrive”، يبرز حجم الإشكالات في هذا القطاع. هل المشكلة تتعلق فقط بتطبيقات النقل الحديثة؟ أم أن هناك جذورًا أعمق تتعلق بعدم قدرة القطاع التقليدي على التكيف مع التغيرات؟ تصريح وزير الداخلية في البرلمان حول هذا الموضوع يشير إلى ميل نحو الدفاع عن الوضع القائم بدل معالجة جذور الأزمة.
الحاجة إلى رؤية شاملة للإصلاح
إصلاح قطاع الطاكسيات في المغرب لا يتطلب فقط معالجة الجانب المادي المتعلق بالمركبات، بل يستدعي رؤية شاملة تشمل تحسين ظروف عمل السائقين، مراجعة نظام توزيع الكريمات، وتحديث الإطار التنظيمي بما يتماشى مع التطورات التكنولوجية. فإذا أردنا أن نرتقي بهذا القطاع ليواكب تطلعات المغرب التنموية وسمعته الدولية، فلا بد من تبني إصلاح جذري يضع الإنسان في صلب المعادلة.