مساء يوم الجمعة 6 دجنبر 2024 كنت مارّا بجانب مسرح محمد الخامس صدفة، راعني وجود حراس كثيرين للسجون في بوابة المسرح، وحركة دائبة للسيارات وللناس، تساءلت ما العلاقة بين المسرح وحراس السجن؟ فالمشهد غير مألوف، وقادني فضولي لأحشر نفسي وزوجتي وسط الجمهور، ولجنا بوابة المسرح ولم يخفف من حدة التردد والغرابة لدينا، سوى الابتسامات الأنيقة والانحناءات المرحبة لموظفات وموظفي السجن، فاطمأن قلبي، إذ الابتسامة والترحيب الجميل لن يلتقيا والعنف المؤسسي. محمد صالح التامك
كانت هناك لافتة كبيرة معلقة في المدخل الرئيسي داخل مسرح محمد الخامس، تشير إلى عرض مسرحي من تقديم نزلاء المؤسسات السجنية بالمغرب، والمناسبة هي اليوم الوطني للسجين، كان كبار مسؤولي المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج هناك، وعلى رأسهم المندوب السامي محمد صالح التامك، الذي لم يسبق لي أن التقيته سوى مرة واحدة في حفل لإحدى السفارات العربية قبل شهر فقط، لكني أعرف مساره وأقدر تجربته السياسية كعامل ووالي ورئيسا لديوان وزير الداخلية ثم كسفير للمملكة بالنرويج فمندوبا ساميا مشاكسا للمؤسسات السجنية، التي كنت - لولا ألطاف الله - سأكون ضيفا عليها في أكثر من قضية إعلامية.
برغم الطقس البارد في الرباط مساء يوم الخميس، كان مسرح محمد الخامس ممتلئا عن آخره بجمهور واسع من الموظفين وأفراد عائلات السجون وحقوقيين ومتتبعين ومهتمين... مما منح الأجواء دفئا إنسانيا متميزا.. ظللت مشدوها لإبداعات نزلاء السجون المعروضة في بهو مسرح محمد الخامس، لوحات فنية من التشكيل التلقائي أو الساذج بمعناه الفني، حتى البالغ التجريد منها، ومنتوجات خزفية ومعدنية وخشبية وجلدية روعة في الإتقان، كانت زوجتي تلمس المعروضات بحنو كأنها تريد أن تحس تلك الآهات والأحزان والمسرات الدافئة التي دفعت الأنامل المسلوبة من الحرية أن تطلقها من خلال منتوج إبداعي يوصل صوتها الإنساني إلينا نحن الأحرار الطلقاء، تلتمس منا برجاء أن نغير نظرتنا عن هؤلاء المحتجزين بعيدا عن سماء الحرية، ليسترجعوا جزءا من كرامتهم الإنسانية، إذ لا يمكن أن يعانوا من سلب الحرية بشكل قانوني ومن سلب كرامتهم وآدميتهم بظلم مجتمعي في نفس الآن.
حتى نزلاء السجون مبدعون وحراسهم مبتكرون، وهذا التعاون المذهل هو ما أنتج عملا مسرحيا مبهرا حقا، برغم أهدافه البيداغوجية التي لا تخفى، إلا أن النص المسرحي المكتوب والمشخص المعروض للجمهور بكافة مكوناته السينوغرافية كشف عن أداء مبهر وتناسق بين الإنارة والموسيقى واللباس والكلمات، وأدى نزلاء مختلف المؤسسات السجنية أدوارهم ببراعة فنية استحقت تصفيقات الجمهور التي كانت تقطع العرض المسرحي مرارا تعبيرا عن المتعة الفنية وتقديرا للعرض المسرحي المقدم بحرفية عالية.. لقد كنت أنوي أن آخذ نظرة فقط بدافع فضول صحافي فإذا بي وزوجتي نتخلى عن التزامات عائلية ونتسمر في مقاعدنا الخلفة بمسرح محمد الخامس، لم نشعر لحظة بالملل ونحن نتتبع هذا التناسق الإبداعي الذي خلقه موظفو وحراس السجن ونزلاء سجون عديدة من المملكة نسجوا الفة غريبة بينهم، وكانوا يتحركون على خشبة المسرح بحرية وبلا اصفاد، ويخرجون من افئدتهم الأجمل والباذخ في كنه وجودهم الإنساني.
لا ننظر عادة إلى السجن سوى كمؤسسة عقابية أو قمعية، وإلى السجين كمنحرف ومجرم، استحق العقاب وينقذ السجن المجتمع من انحراف المجرمين، لا ننظر إلى هذا المعمار وهذا المجتمع المعقد من العلاقات والقيم والقوانين إلا عبر المنظار الذي حدده القانون الجنائي ل"الجريمة والعقاب"، ومن خلال الآراء المسبقة الضيقة التي اختزنها المخيال الجمعي عن السجن.
بل حتى المسؤولون لدينا حين يتحدثون في المؤسسات العمومية وفي وسائل الإعلام عن السجن لا ينظرون إليه إلا من زاوية الاكتظاظ والكلفة ولا يرون إلى نزلاء السجن إلا كأرقام، وحتى حين نرتقي قليلا في سلم الفكر، يبدو لنا السجن كما تصوره ميشال فوكو: "المكان الوحيد الذي تبرز فيه السلطة في حالتها العارية وأبعادها الأكثر مبالغة، خاصة وهي كسلطة أخلاقية.. وهذا هو ما يُبهر في السجن، إذ أنها أول مرة لا تتخفى فيها السلطة ولا تتقنع، وتبرز كتجبر مبالغ في جزئياته الوقحة بذاتها، وفي نفس الوقت فهو نقي، لأنه مبرر، لأنه يتشكل داخل أخلاقية تؤطر وجوده".
وننسى أن السجن مجتمع والنزلاء آدميون، وهذا هو العمل الذي أطلقه الملك محمد السادس منذ أول زيارة له لأحد سجون المملكة، وساهمت فيه ماما أسية الوديع ومؤسسات المجتمع المدني، ويتممه اليوم بجرأة محمد صالح التامك، بقوة شخصيته وبرؤية بعيدة المدى وبمساعدة نخبة من الأطر المحيطة به، تناغمت مع أفقه، في تعاون تام مع الجمعيات المهتمة بأنسنة السجون.. كل ذلك في أفق تحويل نظرة المجتمع إلى السجن من معمار يساهم في حماية المجتمع من الانحراف والمنحرفين المفترضين، إلى مؤسسة مجتمعية تضم آدميين مثلنا يجب حفظ كرامتهم وصون حقوقهم، مؤسسة للتكوين وإدماج من سلبت حريتهم بحكم القانون لهذا السبب أو ذاك، إذ عادة ما نتحدث عنالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ونغيب بشكل لا واعي الجزء الثاني من اسمها وهو "إعادة الإدماج"، في الأفق الذي يخدم بُعد أنسنة السجون وتحويل السجن من مجرد مؤسسة عقابية وفضاء يمضي فيه نزلاؤه فترة من الوقت حسب المدد المحكوم عليهم بها محرومين من نعمة الحرية، إلى فضاء إنساني للتكوين والإبداع يجب أن يخرج منها النزيل إنسانا قادرا على خدمة مجتمعه.