العياشي الفرفار: الأم والوتد والسياسة

العياشي الفرفار: الأم والوتد والسياسة العياشي الفرفار
يبدو  أن عالم السياسة هو عالم سحري وساحر، شبيه بسحر ضوء خافث يضئ العتمة ويبدد الظلام، في ذات الوقت  قد يحرق ويسبب الكثير من الحرائق والمآسي.
السياسة هي فعل غواية تمارس سلطة الإغراء، ولها بريق وجاذبية يصعب مقاومتهما. 
في السياسة كل شئ متاح هي حقل صراع، كما  قال ذلك المنظر الايديولوجي والمستشار السياسي لهتلر كارل شميد.
مرة حكى لي صديق دخل السياسة كبيرا وخرج كبيرا أن والدته رفضت عودته للمغرب، كما رفضت دخوله عالم السياسة حيث الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود وفق المتداول  في احاديثنا اليومية.
صديقي أخطأ حين لم ينفذ نصيحة أمه، الأم/ الوتد الذي  يضمن التوازن، و استقرار الخيمة، وتثبيت كل ما يتحرك. 
إنها الأم بحسها وحدسها تستطيع قراءة الواقع بشكل صحيح دون نظريات في علم السياسة ولا في التحليل الاستراتيجي.
قصة صديقي تتشابه الى حد كبير مع المسلسل المصري الرائع "الوتد"، حيت الأم هي الوتد كل شئ يتغير إلا هي، لعل قصة الروائي تشيخوف حول الأم تتقاطع مع هذا التصور، ميت  يطلب  من الملائكة ان يصورا له حال أبناءه وزجته بعد مماته حتى يطمئن، الملاك العطوف قبل الطلب، واحضر له شاشة شبيهة بجهاز تلفاز، وبدأ يشاهد حياة أسرته كل شئ تغير وأصبح، هو، منسيا إلا ظل واحد ظل على  حاله، طلب من الملاك تكبير الصورة ليعرف طبيعة هذا الظل، الذي لم يترك مكانه، ثم تقريب الصورة فوجد امه مازالت تبكي ابنها.
إنها الأم، وتد الأسرة والعائلة والوطن، فالبيوت مظلمة حتى تستقيظ لكي يضاء البيت. 
في مسلسل الوتد حوار رائع خليط من الحكمة والحنان بين الأم  فاطمة تعلبة وإبنها الحاج درويش لما طلب رأيها في عرض قدم له  أن يصبح عمدة البلد.
جواب الأمهات لا يختلف طلبته منه أن لا يقبل، رغم أنه كان فرحا مرورا بالعرض وجاذبية المنصب.
إستغرب الحاج درويش من رأي الأم وسألها عن سبب الرفض.  
 فكان الجواب: إنت عمدة من غير ما تبقى عمدة الناس كلها بترجعلك في كل كبيرة وصغيرة ورأيك اللي بتقوله ماشي على الكبير والصغير في البلد لأنهم‏ بيحترموك ويقدروك وبيبوحوا باسرارهم كلها معاك من غير خوف ولا تفكير لانهم واثقين فيك ". 
وأضافت: أنت عمدة من غير ما تبقى عمدة ". 
حكاية مسلسل الوتد وقصة تشيخوف والالاف القصص وحكاية صديقي عمر تتشابه، حين رأيت من مشاهد التقدير والاحترام لصديقي حتى وهو يغادر عالم السياسة عرفت أن الحب الحقيقي هو الحب المؤسس على التقدير والاحترام و ليس على الخوف والسلطة .
 من وحي قصة حقيقية قد اطمئن إلى استنتاج بسيط أن الأم هي الوحيدة التي ترفض أن يدخل ابنها عالم السياسة، لأنها الوحيدة التي تبكيه حين ينساه الجميع. 
العودة إلى الأم مشروط بالابتعاد عن السياسة، لكن فعل ذلك أمر صعب وشديد التعقيد.