عبد الرحمان العمراني: في الحاجة إلى "البوصلة" التاريخية للكتلة من أجل الخروج من عنق الزجاجة

عبد الرحمان العمراني، و مشهد من البرلمان المعطل بسبب " البوكاج" عبد الرحمان العمراني، و مشهد من البرلمان المعطل بسبب " البوكاج"

في فترة ما من تاريخنا السياسي القريب انعقد أمل كبير في نفوس كل التقدمين في أن تتولى الكتلة الديمقراطية إنجاز الإصلاحات السياسية الكبرى وضمان التوازنات التي تجعل طرق العبور إلى المستقبل سالكة ،واعدة، ومضمونة.
كان الافتراض المنطقي ،بعد السياسي ،أن القوى ذات الشرعية التاريخية والمنشأ الطبيعي هي القادرة على إنجاز التحولات في مجمل البنيات السياسية والاقتصادية والثقافية لبلادنا .

لم يكن في هذه المراهنة أي لجم أو تعطيل لأية قوة سياسية أو مدنية قد يفرزها التطور الموضوعي لمجتمعنا مع تعاقب الأجيال وانسياب سنوات الزمن.

ولكن القناعة كانت قائمة بأن الكتلة الديمقراطية ،بعمقها وتجذرها التاريخي و بمكوناتها السياسية، ورغم ما طرأ من اختلاف في الحساسيات والمرجعيات الأيديولوجية بين تلك المكونات خلال السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال، تظل تشكل في كل الاحوال ذلك الحد الأدني الضروري وتلك الضمانة الاستراتيجية لتطور هاد ء تتراكم حلقاته في يسر وهدوء.
الكتلة حققت إنجازات كبيرة وضاعفت في مرحلة اولى وثانية من الأمل السياسي لدى كل القوى الحية . وكانت ديناميكيتها وراء الإصلاحات الدستورية وتحقيق ذلك الممكن في الحقل السياسي ممثلا في حكومة التناوب بعد أربعين سنة من تكلس الوضع العام في البلاد والدوران في الفراغ.

الإنتقال السلس للحكم بعد وفاة المرحوم الحسن الثاني كان بمثابة التأكيد الإضافي على صواب المراهنة على الكتلة كقوة تاريخية في ضمان الممكنات السياسية المطلوبة في هدوء .والعبور إلى ضفاف حاضر متجدد دون عناء أو تشنجات
ما الذي حصل في هذه المعادلة ؟.وكيف انفرط عقد الكتلة الديمقراطية وبمعاول من تم الهدم الذي اوصلنا اليوم إلى هذا الحضيض ؟
كيف انتقلت الكتلة في أقل من عقدين من الزمن من مركز الحقل السياسي وموقع المحرك لتطوراته إلى وضع
غدا فيه بعض المحسوبين عليها -محسوبين ليس الا- يستجدون مواقع أو مقاعد على موائد من كانوا يتمنون مجرد أن يتم الاعتراف بهم وبوجودهم السياسي المستقل ،من طرف أحزاب الكتلة الديمقراطية؟
كيف حصل كل هذا المسخ وكل هذا التدهور وكل هذا الانقلاب في القيم والموازين؟
الإجابة الرصينة نتركها بالطبع للتاريخ والمؤرخين يجيبون عنها بكل المراجع والمصادر المعروفة . ونكتفي هنا احتراما للمقام بتقديم بعض الوقائع :

معاول الهدم انطلقت في بداية الأمر من خارج صفوف الكتلة من طرف بعض زعماء الزمن الجديد the new age ممن روجوا ،وجثمان الحسن الثاني لازال مسجى فوق أرضية صومعة حسان لصلاة الجنازة ، لم يوارى التراب بعد، إلى أيديولوجية الخروج من التاريخ وتوديع رجالاته ورموزه وحمولاته والانطلاق نحو المستقبل بالتحرر من كل ما يحيل إلى الماضي (وفي مقدمة هذا الماضي السياسي بالطبع الكتلة الديمقراطية ).

وكان ذلك هو الإخراج الذي قدم خلال المرحلة الأولى لذلك الولع بالشباب والتشبيب حد الهوس مما يمكن نعته ب "الشبابومانيا".
ثم جاء دور من ابتليت الكتلة بهم لحد التحول إلى زعماء .وكان دورهم أفظع وأخطر. لأنه نقل معاول الهدم من خارج أسوار أحزاب الكتلة إلى داخلها مباشرة مهددا بتصفية التركة وتقديمها للبيع في المزاد العلني.

صور تصريف تصفية التركة اختلفت حسب "القيادات الجديدة" للأحزاب التي كانت تكونها .
البعض راح يتغنى بأسطوانة التجديد والخروج من اسار الأسر المدينية والفاسية التي قادت الحزب في السابق. وكان ذلك هو مدخله لدفن الماضي .
البعض الآخر تملكه جنون الرغبة في تجاوز إرث الآباء المؤسسين بتجاوز حتى عادة الاحتفاء بذكرى استشهاد الشهداء.
البعض الآخر اختار تصفية التركة بعقد تحالف حكومي غريب مع الأصوليين لم يكن ليخطر على أي أحد من قدماء مؤسسي حزبه الاشتراكي التقدمي. ولم يكن ليخطر حتى على برلينكوير الزعيم الشيوعي الإيطالي منظر التوافق التاريخي
أواسط السبعينيات.
والتأم الجميع وصدقوا الحكاية الجديدة قبل أن ينتبهوا كل على حدة إلى خواءها .

.في خطابه الأخير Farewell speech بشيكاغو امس وردت الإحالة إلى القيم المرجعية للاباء المؤسسين من طرف أوباما اكثر من 10 مرات .ولم يجد أي تناقض بين هذه الإحالة والتشديد علي قيم التضامن والشغف بالعدالة التي تحملها الأجيال الشابةوالإشادة بعطاءها وتعلقها بقيم التطوع .

في مجال القيم السياسية لا مجال لوضع المفاضلة على أساس معيار الجدة والقدم ،كمعيار وحيد واوحد .ونحن نرى يوميا كيف تنتشر القيم الرجعية بين من يحسبون أنفسهم في عز الشباب وكيف قد يسكن شباب القلب والروح أجسادا تجاوزت عقدها التاسع ( ودعنا الزعيم الاشتراكي البرتغالي عن سن 92)

من النصائح التي أحفظها وأذكرها عن والدتي رحمها الله أنها كانت تقول لا تلقي بالماء في المجرى قبل أن تكون متيقنا من إمكانية الحصول على ماء غيره.
يبدو أن صناع القرار عندنا تمكن منهم في فترة معينة وهم التخلص من الكتلة والبحث عن بديل غير تاريخي .
وبعد عقدين من الزمن نجد أنفسنا اليوم في هذا البلوكاج الذي ساهموا بشكل وافر في صنع مقدماته.ونتائجه.
لن نكون cynique ونقول لهم اللي دارها بيديه يفكها بسنيه كما في المثال المغربي، ولكن سنقول لهم بشكل إيجابي :أن من يريد أن يبعد أو يتجاوز التاريخ لا بد أن يفتقد البوصلة التاريخية العادية.
ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى هذه البوصلة.

  • أنفاس بريس :  عبد الرحمان العمراني
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الأربعاء, 11 كانون2/يناير 2017 16:44
قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)


HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

محتجون بالحسيمة يرشقون قوات الأمن بالحجارة

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

فيديو يوثق لحظة استعمال قوات الأمن الهراوات لتفريق المتظاهرين بالحسيمة

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

لإعلامية اللبنانية نضال الأحمدية"تفضح" إدمان الفنانة أصالة نصري على الكوكايين

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات