عبد الهادي مزراري: لماذا استقال إلياس العماري؟

الأستاذ عبد الهادي مزراري الأستاذ عبد الهادي مزراري

كثيرة هي الأفعال السياسية التي تحدث في المغرب ويستحسن عدم التعليق عليها أو الخوض فيها، لكن مع الأسف نرى التصريحات والتحاليل والأقوال والأقوال المضادة تتناسل من كل حدب وصوب ولا تزيد الأمور إلا غموضا وتعقيدا وتزيد الطين بلة.

الأفضل في حالات كثيرة هو السكوت، ولكن ما داعني اليوم للكتابة حول استقالة إلياس العماري من منصب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الحاصل على 102 مقعد في الإنتخابات التشريعية الماضية (المرتبة الثانية بعد حزب العدالة والتنمية)، هو ما سمعته من إلياس العماري خلال الندوة الصحفية التي قال فيها "إنه استقال من الأمانة العامة للحزب لأنه شعر بأنه معني بمضمون الخطاب الملكي"، للإشارة فإن الخطاب الملكي تضمن انتقادات شديدة لأحزاب سياسية ومنتخبين ومسؤولين تفوقوا كثيرا في العبث بمناصبهم والتنكيل بمسؤولياتهم وألحقوا ضررا كبيرا بالوطن.

في موضوع استقالة إلياس العماري الذي كان شجاعا في اعتبار نفسه معنيا بالخطاب الملكي، كان أيضا شجاعا في إعلان الإنسحاب من الصف، لكن لا نعرف بالتحديد إن كان الملك في خطابه قصد إلياس العماري أم أنه كان يقصد آخرين؟ أم أنه قصد فعلا إلياس العماري وقصد معه آخرون لم يتحلوا بعد بشجاعة إلياس العمري؟

الرأي العام المغربي يتوقع استقالات جماعية لقياديين سياسيين وفسح الطريق أمام عناصر جديدة، لكن وبحكم معرفتي المتواضعة بعقلية ونفسية العديد من السياسيين وبالنظر إلى طبيعة المشهد الحزبي وارتباطاته بالإدارة، لا أعتقد أن أحدا منهم سيقدم استقالته إذا لم يحمل على تقديمها والتظاهر في ما بعد بأنه أحس بأنه معني بالخطاب الملكي وتحلى بالشجاعة للخروج من الصف.

في المغرب لا نفعل الأمور من تلقاء أنفسنا، هناك اعتبارات وحسابات وأعراض مرضية تتحكم في اللعبة من ألفها إلى يائها.

من جهة أخرى، لم يتضمن الخطاب الملكي انتقادات للأحزاب السياسية وحدها، وإنما امتد لنبش عش الفساد الأكبر في البلاد وهي الإدارة، واصفا مسؤولين فيها بانعدام المسؤولية وغياب الضمير، والإداريون الكبار لا يمكن أن يقدموا أيضا استقالاتهم من تلقاء أنفسهم، ولا نتوقع مسؤولا إداريا أيا كانت وظيفته أن يعلن للرأي العام المغربي أنه شعر بأنه معني بالخطاب الملكي وقدم بكل شجاعة استقالته وأراح المغاربة من فساده. لن يحصل هذا إذا لم يتلقوا أوامر بتقديم استقالاتهم أو إقالتهم.

للمنتخبين التشريعيين والجهويين والمحليين أيضا نصيبهم في كعكة الفساد، ولا أعتقد أنهم مستعدون للشعور بأنهم معنيون بالخطاب الملكي فهم على عادة زعمائهم يشيدون بمضمون الخطاب الملكي، يقولون ما لا يعنيهم ولا يقولون ما يعنيهم، قد يتحسسون رقابهم بلمسة يد ناعمة ولكن قلوبهم بعيدة عن الشعور بالذنب فهم في اعتقادهم يتصرفون بما يقتضي الحال في سياق نظام فاسد لا أحد فيه أفضل من الآخر.

حول النظام الفاسد، أصدرت قبل 7 سنوات كتابا بعنوان "الجهوية الموسعة في المغرب" وهو مؤلف استلهمت فصوله من الخطاب الملكي في 4 يناير 2010 الذي أمر فيه بتشكيل لجنة تتولى وضع مشروع للجهوية الموسعة يسمح بإعادة بناء الإدارة الترابية في المغرب على أسس ديموقراطية تخدم برامج التنمية في جميع مناطق البلاد دون تهميش أو إقصاء.

مضمون الوثيقة التي أنجزتها انطلق من قاعدة هندسية بسيطة وهي أن لا يمكن لنا البناء الجيد دون الهدم الجيد، وأقصد هنا بالتحديد النظام الحالي للمجالس البلدية والقروية التي تدخل في نطاق المؤسسات الديموقراطية المحلية كما وضعها إدريس البصري وعمل على تثبيتها وكانت الغاية منها هي تدجين العمل السياسي وإلهاء الأحزاب السياسية بقطع لحم وعظم على المستويات المحلية، وكانت النتيجة فساد واسع النطاق تمثل في الهدر الكبير للمال العام مقابل إنجازات لا ترقي لأي مستوى في البلديات والجماعات في المدن والقرى.

هناك الكثير مما يجب أن يقال بشأن فساد الهيئات المنتخبة والإدارات المرتبطة بها، ويحتاج الأمر إلى استبدال النظام المؤسساتي الجهوي والمحلي بنظام جديد يشعر فيه المواطن بأنه معني وأن منتخبيه على الأصعدة الوطنية والجهوية والمحلية مكبلون بنظام إداري صارم لا يسمح بالعبث.

كانت الإستقالة من منصب رئاسة الجهة أكثر تأثيرا من الإستقالة من الأمانة العامة للحزب.

  • أنفاس بريس :  عبد الهادي مزراري، كاتب صحفي
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الأحد, 13 آب/أغسطس 2017 03:31
قيم الموضوع
(1 تصويت)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)

 

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات