أسعد عبد الله عبد علي: الإبداع السنغافوري في حل مشكلة السكن

أسعد عبد الله عبد علي أسعد عبد الله عبد علي

نكمل رحلتنا في استكشاف كيف تمكنت الحكومات الانسانية في حل مشكلة السكن.. المشكلة التي باتت عصية على كل حكام العراق من السابقين الى الحاليين، فلم يكن من اهتماماتهم الأساسية حل مشاكل المجتمع، مما جعل أزمة السكن تتفاقم، في زمن غياب الرقيب والمحاسب، وكما يقول "حجي جبر" ((أغلب حكام اليوم يفتقدون لصفة مهمة، وهي مخافة الله)). واليوم نتكلم عن الحل السنغافوري لمشكلة السكن، حيث تعتبر التجربة السنغافورية من انجح التجارب في معالجة قضية السكن.. فالبلدان عندما تمتلك قيادات نزيهة ووطنية، وتملك من الحكمة والتعقل ما يسعفها لعبور الازمات، عندها يتحقق الكثير.. وهنا كان مقتل العراق، فأغلب من حكمه وسيطر على القرار كان لا يملك النزاهة ولا الوطنية وفاقد للحكمة والتعقل، مما جعل ليل العراقيين طويل.

لنترك حكاية العراق الحزينة مع ساسة السوء، ولنتحدث عن الإرادة السنغافورية، التي أحالت جبلا من الهم إلى وادي من الأمنيات المتحققة فعلا.

- هيئة الإسكان والتنمية

سنغافورة كانت تعاني من أزمة سكن خانقة جدا، بل حتى ما كان موجود من سكن كان يعتبر غير مناسب للسكن، فكان ما موجود يعتبر رديئا جدا، كحال العراق الآن.. ولإصلاح هذا الوضع البائس قامت حكومة سنغافورة بعدة إجراءات فاعلة، فعمدت الحكومة الى إنشاء هيئة الإسكان والتنمية(Singapore Housing and Development Board)  وتم تكليف هذه اللجنة بمهمة توفير مساكن عالية النوعية، خلال سقف زمن محدد، واشترطت أن  تكون الوحدات السكنية منخفضة التكلفة.. وقد قررت الحكومة دعم هذه اللجنة عبر إعطائها الحق في الشراء القسري للأراضي الخاصة، والتي تراها اللجنة بأنها مناسبة لإقامة مساكن عامة، بسعر يعادل فقط 20% من القيمة السوقية لتلك الأراضي.

وقد حققت هذه الطريقة توحيد عملية بناء المساكن، نتيجة التخطيط المتكامل والتوجيه الامثل للموارد، من قبل هيئة الإسكان والتنمية، مما مكنها من الحصول على الأراضي ومواد البناء والعمالة بتكاليف متدنية، وقد أسهمت حركت البناء الواسعة في خفض نسب البطالة، عبر توفير فرص للعاطلين عن العمل، بالإضافة لاكتساب خبرات كبيرة نتيجة الاستمرار بالإعمال.

- العقل السنغافوري الجبار

وقد عملت لجنة الأعمار على تخيير المواطن, بين أن يسكن مستأجرا أو أن يشتري الوحدة التي يسكنها بالتقسيط، وقد تم تحديد الأقساط السنوية بحيث لا تزيد كثيرا عن القيمة الإيجارية للوحدة، مما شجع المواطنين على شراء الوحدات التي يسكنونها، وحددت أسعار الوحدات بأقل من التكلفة الإنشائية كما تم استبعاد تكلفة الأرض تماما من سعر الوحدة، بحيث أصبحت الوحدات الحكومية تباع بأسعار تقل بحوالي 50 إلى 70 من قيمة الوحدات السكنية الخاصة، وكان من نتيجة هذا المشروع أن حوالي 93% ممن سكنوا في الإسكان العام امتلكوا الوحدات التي خصصت لهم.

وأثبت العقل السنغافوري أنه عقل جبار، حيث فكر بكل الجزئيات، ولم يترك قضية مرتبطة بالمشروع ألا وضع لها علاج.

فكرت اللجنة السنغافورية في أهمية تجاوز أخطا الدول الأخرى التي ظهرت في مشاريع الإسكان الحكومي، من قبيل انتشار الأنشطة الإجرامية في المساكن الحكومية للفقراء، فاهتمت أن في تكون الوحدات ذات جودة ممتازة، وتدار بكفاءة عالية، حيث تولت الهيئة مسؤولية الصيانة والترميم وفق  برامج دورية صارمة ودقيقة، بما في ذلك إعادة تأهيل كامل وشامل كل خمس سنوات، مما حول هذه المجمعات السكنية إلى مناطق جذب لكافة أفراد المجتمع السنغافوري، إلى حد أنها الآن توفر سكنا لما يزيد على 82% من السنغافوريين.

هكذا تحولت سنغافورة إلى واحدة من أغلب بلدان العالم من حيث ملكية المنازل، حيث بلغت هذه النسبة 92% في عام 2009.

معالجة العرقية بمشاريع السكن

ولم يكتف العقل السنغافوري في الجانب الاقتصادي، بل عمدت إلى الاهتمام بالجوانب المرتبطة الأخرى كالجانب الاجتماعي حيث كان للمجمعات السكنية الحكومية دور أساسي في تفتيت التجمعات العرقية التي كانت تتصف بها سنغافورة ما بعد الاستقلال، حيث كانت توزع الاسكانات العامة حسب نسب كل عرق من أجمالي السكان, ويمنع التنقل بين المجمعات أذا كان يؤثر على نسبة كل عرق في كل مجمع سكني, هكذا هي العقول الراقية تنتج حضارة عندما تتاح لها الفرصة لإنجاز شيء ما.

فشل الساسة العراقيون على مدار 14 سنة في حل مشكلة الطائفية بسبب غياب الرؤى والأفكار الناجحة, وتمسكهم بالقشور، والبحث الدائم عن أبواب للفساد، وغرق الأغلبية السياسية بالفساد.. فها هي سنغافورة تكتشف أن عامل السكن ممكن أن يكون حلا للتعايش، هذا الحل ممكن فقط عند الساسة الشرفاء الساعين بطيبة قلوبهم وسمو نفوسهم لرقي مجتمعهم، بخلاف قافلة من ساسة العراق ممن يسعون بكل جد واجتهاد لتكريس الطائفية والجهل، كي تتزايد مكاسبهم الخاصة وتستمر سطوتهم على كرسي القرار.

- الثمرة

ما تم في سنغافورة يعتبر حلم كبير ويقارب الاستحالة في العراق، لكن الصدق والأمانة التي تتحلى بها السلطة السنغافورية أحالت المستحيل إلى حقيقة.. فما يحتاجه حلم العراقيين أن تتواجد سلطة تشابه ما يملكه السنغافوريين من قيم أخلاقية وإنسانية. فهل يسعدنا القدر بساسة يكون كل همهم مشاكل الشعب والوطن، ويكرسون كل وقتهم للعمل، والسعي لرضا الله والجماهير.

  • أنفاس بريس :  أسعد عبد الله عبد علي، كاتب وإعلامي عراقي
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الجمعة, 21 نيسان/أبريل 2017 10:13
قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات