مصطفى المانوزي: واقعة كقصة خيال (لم يقرأها المسؤولون فاستمرت المعاناة وما زالت في المكان والزمان)

مصطفى المنوزي مصطفى المنوزي

وأنا أهم ولوج غرفتي بالفندق الذي نزلت فيه بطنجة، بمناسبة مشاركتي في الندوة الدولية حول الكيف والمخدرات، استوقفني شخص في الأربعينيات من عمره، وطلب الحديث إلي في موضوع خاص. عرفني بشخصه، لم أصدقه في بادئ الأمر.. حكى لي عن كونه من «الفارين» من عدالة الاتهام والوصم، قضت في حقه المحاكم، غيابيا، بعقوبات حبسية وغرامات، لمجرد أنه مزارع  للقنب الهندي/ نبتة الكيف. اعترف بأنه يبيعها خاما دون أن يحولها إلى «شيرة»، ولو فعل لوفر المال الكثير من أجل شراء الحرية أو البراءة، على حد قوله.

وبحكم التجربة والمخالطة كمحام لم أتأثر بكلامه، فقد بدا، في بادئ الأمر، أنه هارب من العدالة، أي أفلت من العقاب، وبالتالي لا يستحق أن أتعاطف معه. ولكن عندما قال «بأنني أفضل الهروب والنوم في الغابات المجاورة» لمنطقة سكناه طبعا، متلصصا اللحظة التي قد «يمارس» حقه  بالاجتماع مع أسرته في رحاب ظلام دامس، متخفيا، بعد أن فقد صديقا له كان يتوسط له لدى «مسؤول» في المنطقة لكي «يجتمع» بزوجته، وفق ما يمنحه «الشرع» من حقوق المعاشرة والجماع، مقابل «حلاوة أو قهوة» تفوق أحيانا  400 درهما لكل وصال.

وتحت رقابة ورحمة «الحب المحروس»، تفهمت الموقف، وقد حكيت يومه «القصة» لصديق لي، ابن المنطقة، فأكد لي أنه «منو عداد». صدقت وتمثلت الوضع، وقفزت إلى ذاكرتي رواية «العين ذات الجفن المعدنية» لشريف حتاتة، الذي كتب عن حراس المعتقل الذي يراقبون أحاسيسه ومشاعره العارية من خلال تلك العين.

فتبا لمثل هذا الوضع الظالم، تبا لمروءة وعفة تدفع الإنسان أن يتردد، عند الاختيار، بين حال شيئين أحلاهما مر. فهو لكي يتحرر من وضعه المحرج، عليه تحويل المادة من كيف خام إلى حشيش مخدر، وبذلك سيحول نفسه وموقعه من فلاح بسيط، هارب من العدالة إلى تاجر ومهرب كبير، فهو اختار أن يقتل كرامته بالحلال على أن يقتل نفوسا بالسم الحرام.

إنها حكاية تستحق أكثر من تأمل وتضامن.. إنها تستحق مراجعة المنظومة القانونية وكذا الأخلاقية. فليس التمييز حلا ولكان الوصم كمعاملة وحقيقة سوسيولوجية رادعا. فلتدمي العقول عوض أن تدمع القلوب.

  • أنفاس بريس :  مصطفى المانوزي
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الإثنين, 20 آذار/مارس 2017 07:59
قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)

 

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات