بلال حلبوز: المفهوم الجديد لنظام قديم

بلال حلبوز بلال حلبوز

ولا حزب واحد خرج ببيان يستنكر فيه ما تعرض له الزفزافي من معاملات غير انسانية وتصوير غير قانوني يقصد به في الدرجة الأولى إهانته وتوجيه رسالة إلى الرأي العام مفادها أن هذا هو مصير كل من سولت نفسه الخروج للشارع والمطالبة بحقوقه الشرعية، في مغرب لم يعد يتحرك إلا بالمقاربة الأمنية العقيمة التي تعبر عن أن هذه الدولة قد وصلت إلى مرحة الشيخوخة حسب النظرية الخلدونية. ورفض تام لكل الأصوات التي تنادي من هنا وهناك بكون هذا البلد قد عرف تراجعات مخيفة في مجال حقوق الإنسان والحريات، وتراجعات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

في الحقيقة لا يجب علينا كمواطنين أن ننتظر من هؤلاء أكثر من هذا، فالأحزاب صارت مجرد آلية تساهم في إخماد كل صوت حر، وشرعنة كل مظاهر الفساد والاحتقار الذي تمارسه الدولة في حق المواطنين الأبرياء والذين يعيشون الويلات في بلد لم تعد أجهزته الأمنية القمعية تضرب أي حساب لهؤلاء، أو على الأقل هذا هو التفسير الذي وجدته مناسبا لهذا الصمت المخجل من الأحزاب المغربية التي تتغنى بشعارات رنانة لا زالت في حاجة إلى عشرات السنين من العمل على الثقافة والوعي وتكريس المبادئ الديموقراطية الفعلية للوصول إلى مضامين هذه الشعارات التي ترفع في الديموقراطيات الكبرى في العالم.

فبهذه الممارسات المستفزة نكون قد رجعنا إلى سنوات خلت، سنوات السبعينات والثمانينات التي تميزت بأقصى درجات الاحتقان بين الدولة والشارع بسبب ما عرفته هذه الفترات من انتكاسات على كافة المستويات، إذ راحت ضحيتها المئات من الشهداء والآلاف من المعتقلين الذين ذاقوا من كل أنواع التعذيب.

وبعد هذه التضحيات التي واكبها في السنوات الموالية مصادقة المغرب على العديد من القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة باحترام حقوق الإنسان، وبعد ضغط للمنظمات الدولية العاملة في هذا المجال، كان الشارع المغرب ينتظر الانتقال إلى مصاف الدولة الديموقراطية التي تحترم قوانينها وتحترم مواطنيها وتعاملهم معاملة إنسانية حيث لا يجوز المس بكرامتهم وحقوقهم وسلامتهم الجسدية تحت أي ذريعة كانت، خاصة في السنوات الأخيرة التي عرفت ما سمي بالربيع العربي الذي سرعان ما تحول إلى خريف أتى على الأخضر واليابس، وعندما كنا ننتظر أن تأخذ الدولة هذه الأحداث على محمل الجد وتعتبرها درس للتعلم منه بعدما كانت هي الأخرى على شفى حفرة من أن يقع بها نفس الشيء؛ ضربت الأجهزة الأمنية عرض الحائط كل آمال التغيير والإصلاح، ولم تعر اهتماما للقوانين التي تظل حبرا على ورق في ظل حكومة صورية لا تملك الشخصية القوية في تدبير مثل هذه الملفات، وتحت سقف قضاء متحكم به من طرف جهات مجهولة لا ينفك العديد من الشخصيات والأحزاب والهيئات الإشارة إليها بعامية دون إعطاء صورة واضحة عنها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه على أكثر من صعيد، أو بالأحرى مجموعة من الأسئلة متعلقة بمن باستطاعته أن يوقف هذه التجاوزات الحقوقية التي ترتكبها وزارة الداخلية، وما الذي يجعل هذه الأخيرة غير آبهة لكافة الأصوات المنادية باحترام حقوق الإنسان وتغيير المقاربة الأمنية الذي تسير به هذه الوزارة في ظل عجز القضاء الذي يتحرك في غالب الأحيان بمعية هذه الأخيرة.

ولماذا لا تقوم الدول الغربية بالضغط على المغرب في هذا الملف كما تفعل ذلك على دول أخرى، والإجابة التي يمكن تقديمها هنا أن هذه الدول تنظر بكثير من الحذر إلى ملف الإرهاب ونجاح المقاربة الأمنية المغربية في كبح جماح معانقي الفكر الجهادي الذي يزعج كثيرا الدول الأوربية لما تسبب فيه من أضرار على المستوى المادي والبشري بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها مجموعة من الدول الأوربية في الآونة الأخيرة.  كما تضع في الحسبان الأوضاع الإقليمية والعربية المتشنجة وخوفها من أن يعرف المغرب نفس المصير. ولذلك تقف هذه الدول على مسافة من الأحداث التي يعرفها المغرب، خصوصا وأن أجهزة المخابرات تقدم المحتجين والمعتقلين في صورة من يريد زعزعة استقرار الوطن، في استغلال واضح لنجاح مقاربتها الأمنية في ملف الإرهاب نسبيا.

  • أنفاس بريس :  بلال حلبوز، طالب باحث
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الخميس, 13 تموز/يوليو 2017 11:21
قيم الموضوع
(1 تصويت)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)


HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

"الستاتي" يشعلها في مهرجان "تيميزار للفضة" ويضرب رقما قياسيا

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات