أ. رباص: شذرات من مذكرات معلم في الجنوب المغربي (ح. 60 والأخيرة)

أحمد رباص أحمد رباص

يحكي الأستاذ أحمد رباص في مذكراته هاته، والتي خص بها "أنفاس بريس"، جزءا من سيرة حياته في التدريس بالجنوب المغربي.. يعود بنا، عبر مِزق من الذاكرة، إلى أحوال التدريس (التعليم الابتدائي) هناك في مناطق يستعصي التنقل فيها، لينقل لنا علاقاته بزملائه في التعليم وبتلامذته وبالوسط المحيط به، بحلوها ومرها.. نتعرف من خلال هذه الشذرات على حياة الناس بالجنوب، وعلى ما يعانوه من أهوال حينا، وما يعيشونه من أفراح حينا آخر.. فكيف كانت سيرة حياته كمعلم هناك؟ وماذا جرى له من حكايات؟ هذا ما ستنعرف عليه في حلقات هذه الشذرات...

في هذه الحلقة الختامية، سأحاول التطرق لبعض الأحداث التي لم يشملها فعل التذكر، وإن شملها لم يقع تدوينها. مثلا، ما زال في ذمتي ذكر السبب الذي لأجله لم يتجاوز مقامي في الكوخ الطيني المبني في الجبل خلف مدرسة آيت املكت. فخلال هذه المدة أضعت مفتاح الغرفة التي كنت أنام فيها مرتين، وفي كل واحدة منهما اقتلعتُ الباب الحديدي لأتمكن من الدخول. في المرة الأولى، مالك الكوخ أصلح الباب وأمدني بمفتاح جديد. لكن في المرة الثانية طلب مني إفراغ الغرفة من أمتعتي وحوائجي.

لو لم أكن كثير التنقلات لما أضعتُ المفتاح.. وأني لي الحفاظ عليه في جيبي من الضياع وأنا مجبر على خلع بنطلوني مرتين كلما سافرتُ إلى أكدز وعُدْتُ منه إلى البلدة ؟ في مثل هذه الظروف، عند بداية السنة الموالية وقد انتقلتُ للعمل بفرعية آيت عبد الله، أضعتُ قلما كنت قد استعرتُهُ من زميلي السطاتي الذي وقع معنا أول محضر دخول في مشواره العملي.

 عندما أخبرته بضياع القلم أثناء عبوري للنهر وأنا عائد من ورزازات، طلب مني أن أعوضه له بقلم من نوع "باركر". حسبتُ في الأول أنه يلاعبني ويمازحني..أمّلْتُ نفسي بأنه سيقول لي: الله يسامح، خاصة وأن قلمه الضائع مصنوع من البلاستيك وثمنه أقل بكثير من ثمن القلم الأخر الذي طالبني به لكونه مصنوعا من المعدن. لكن، فيما بعد، تبيّنَ لي أن المعلم مصر على رأيه وجاد في طلبه. من جهتي، رفضتُ أن أعوض له قلمه بقلم آخر من نوع باركر، وقلت له إن كان لا بد من تعويضه فلن يكون ذلك إلا بقلم بمثل قيمة وطبيعة قلمه الأول.

من كثرة شهرتي كمناضل وكاتب، كان معلم مراكشي عُيِّنَ في مؤسستنا ضمن آخر فوج من المعلمين الجدد يقول لي بحضور البعض من زملائنا: تستحقُّ أن يقام لشرفك نصب تذكاري في أكدز! رأيتُ في دعابته جانبا من الجدية ولو كنا نتداعى لسماعها ضاحكين. بالفعل، لمستُ فيها اعترافا بخطواتي، وإكانت متعثرة أحيانا، على درب النضال والالتزام. بسلوكه هذا برهن  المراكشي على طيبوبته وصفاء طويته، بخلاف السطاتي صاحب القلم الذي منعه الحسد من إبداء أبسط مؤشر على الاعتراف. كان لا يتواني عن تبخيس مجهوداتي في هذا المجال حتى قبل أن يقع بيننا سوء تفاهم بسبب القلم الرخيص سعره.

بصراحة، كثيرا ما كنتُ أقع في موقف حرج حينما يناديني معلم لا أعرفه باسمي لأجل تحيتي ولا أستطيع مخاطبته باسمه أثناء رد السلام عليه ومصافحته. لكن، رغم ما يسببه لي ذلك من حرج، كنتُ أشعر بالارتياح لإغناء مفكرتي بصديق جديد معجب بكتاباتي ومتابع لفتوحاتي. بنفس الطريقة، ربطتني علاقة صداقة بمعلم متحدر من مدينة دكالية البحر أمامها والنهر على يمينها. لقبه العائلي مطابق لاسم أكلة بدوية هي عبارة عن خليط من الكسكس واللبن.

ذات مرة، طلب مني الذهاب معه إلى المدرسة المركزية لم/م تمزموط. استجبتُ لطلبه المُلِحِّ.عندما دخلنا إلى المدرسة، قدمني بصفتي كمناضل مهووس بالكتابة لمعلمتين متقاربتين لنا من حيث السن. إحداهما رحبتْ بقدومي وعبّرتْ عن الشرف الذي حصل لها بمعرفتي، بينما الأخرى نصحتني متجهمة بأن أتوقف عن الكتابة في الجريدة والاهتمام بالجذاذات والمذكرة اليومية. تفاجأت لموقفها العجيب، وسرعان ما اهتديتُ إلى أنه نابع من كونها لا أريد أن أتميز عنها بشيء آخر مختلف يخرج عن نطاق التعليم. انصرفت عنها قبل أن أطرح عليها هذا السؤال: متى جئتُ إليك طالبا منك ملء مذكرتي وموافاتي بالجذاذات؟

في إقليم ورزازات وحده، كثيرون قرأوا كتاباتي في الجريدة وحفظوا اسمي عن ظهر قلب، غير أني لم ألتق بهم لعدة أسباب. مثال ذلك ما حدث لي يوم 30 يونيو 1993. كان توقيع محضر الخروج في صباح ذلك اليوم إيذانا لنا بانطلاق العطلة الصيفية. وخارج هذا الإجراء الروتيني، تناهى إلى علمي أنه تم اليوم الإفراج عن نتائج الحركة الانتقالية الوطنية. لهذا كان لا بد لي من الالتحلق بالنيابة لأرى ما إن اسْتُجيبَ لطلبي ام لا. عندما ولجْتُ فناء النيابة وجدتُ سوق رب العالمين. في لحظة وجيزة، عثرتُ على اسمي ضمن لوائح المستفيدين. فرحتُ كثيرا حتى وإن كنت أولي أهمية أكثر لإدماجي في السلم العاشر قياسا بتنقيلي إلى إقليم سطات.

العمارة الوحيدة التي كانت تضم مكاتب الموظفين مليئة بالهرج والمرج على غير عادتها..كنتُ بدوري عنصرا نشيطا في هذه الدينامية التي تشهدها النيابة. بعد التأكد من انتقالي، أردتُ الصعود إلى الطابق الأول لتوديع بعض الموظفين الذين تعرفتُ عليهم خلال كل المدة الزمنية التي أمضيتُها في إقليم ورزازات. وبينما أصعد أدراجي نحو الأعلى، التقيتُ في منتصف السلم بمعلم شاب أنيق الملبس وهو يقول لمعلمتين فتاتتين ما والتا آية في الجمال: السي أحمد رباص انتقل..سألتْهُ إحداهما: وشكون هو؟ أجابها: ذاك اللي كيكتبْ في الجريدة، مستعينا بيده اليمنى في وضع تمسك فيه بالقلم وتتحرك على إيقاع الكتابة.

(انتهى)

  • أنفاس بريس :  أحمد رباص
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الإثنين, 07 آب/أغسطس 2017 19:37
قيم الموضوع
(1 تصويت)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)



مشهد مرعب من الحادث الإرهابي ببرشلومة

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

مأساة حامل ولدت في درج عمارة بسيدي يحيى

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

نجاة اعتابو تقاضي رئيس جماعة الخميسات

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

 

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات