أحمد رباص: شذرات من مذكرات معلم في الجنوب المغربي(الحلقة 49)

أحمد رباص أحمد رباص

يحكي الأستاذ أحمد رباص في مذكراته هاته، والتي خص بها "أنفاس بريس"، جزءا من سيرة حياته في التدريس بالجنوب المغربي.. يعود بنا، عبر مِزق من الذاكرة، إلى أحوال التدريس (التعليم الابتدائي) هناك في مناطق يستعصي التنقل فيها، لينقل لنا علاقاته بزملائه في التعليم وبتلامذته وبالوسط المحيط به، بحلوها ومرها.. نتعرف من خلال هذه الشذرات على حياة الناس بالجنوب، وعلى ما يعانوه من أهوال حينا، وما يعيشونه من أفراح حينا آخر.. فكيف كانت سيرة حياته كمعلم هناك؟ وماذا جرى له من حكايات؟ هذا ما ستنعرف عليه في حلقات هذه الشذرات...

"لن يكون بمقدوري أبدا الادعاء بأن القارئ لهذه الشذرات بإمكانه الاطلاع على مضامينها وتفاصيلها دون التقيد باتباع الترتيب الذي انتظمت وفقه ضمن متوالية من الشظايا الشاهدة على لحظات قوية قاومت آفة النسيان.

أحظر على نفسي ذلك لسبب بسيط وهو وعيي بأن ما يتحقق من نتائج على مستوى الرهان على تكسير الترتيب كخطوة أساسية نحو القضاء على الرتابة لا يعدو أن يكون نسبيا.. ومهما تفننت في سرد ذكرياتي بالشكل المبعثر الذي يحبذه جميل مطر في مقال شيق كتبه عن الرتابة ونشره على الإنترنت في موقع "الشروق" يوم 11 أبريل 2017، فسوف تبقى شذراتي مُنْسَجِمة في إطار من الزمان والمكان، خاضعة لسلطانه الذي يمتطي قطارا سريعا لا يقلص من سرعته إلا إلزامه بالوقوف في المحطات.

تبعا لكل ذلك وفي ارتباط به، لن أنصح القارئ بالتعامل مع هذه المحكيات دون احترام للترتيب الذي جاءت عليه، لا لشيء سوى لأن الطريقة المتبعة في السرد المتشظي لا بد لسالكها من أن يترك خلفه ثغرات باطنة وظاهرة.. بالنسبة للنوع الأول من الثغرات، يمكن تعميمه على كل من تعاطى للكتابة عن الذات بجميع اللغات وفي كل الأوقات.

توضع عادة هذه الثغرات في رف مغلق بإحكام وتسدل عليه الذاكرة تلافيفها.. لذا، تستعصي (أو تمتنع) الحاجة إلى استدراكها، في حين أن ثغرات الصنف الثاني تستدعي من تلقاء ذاتها الاستدراك، أولا لأنها ظاهرة، وثانيا لأن الراوي صرح بها في حينه، ضمنيا إن لم يكن بشكل ضريح، وتعهد بالتالي بملئها في الوقت المناسب. وعندما تسنح فرصة الاستدراك، يقوم الراوي بتغذية راجعة في إشارة منه إلى لحظة من لحظات زمن الحكي الماضي، توقف عندها السرد لبرهة وحينما استأنف سيره غير ملتفت إليها فلأنه متيقن من أن تداركها آت لا ريب فيه.

بقي لي فقط أن أشير إلى أن هذا التمييز بين الثغرات الظاهرة والثغرات الباطنة التي يخلفها وراءه الحكي المتشظي ليس مطلقا وحتميا بشكل صارم؛ إذ من الممكن هنا أن يصبح الباطن ظاهرا في حال ما إذا توفرت مجموعة من الشروط، وقد يصبح الظاهر باطنا ضمن حالات يتقلص فيها الهامش المسموح به للتعبير وتكثر الخطوط الحمراء للحد من حريته.

من قلب سماء النظرية، فوق بساط الميتالغة وبوحي من خيال اليقظة، أعيد مشاهدة شريط صور ذكرياتي الشاهدة على أيام التزمت فيها بالعمل والإقامة في مدرسة آيت املكت الجبلية. في الحقيقة، أعترف صراحة بأن المشاهد التي تم الإفراج عنها سابقا من هذا الشريط ضئيلة بالنظر إلى المشاهد التي تنتظر دورها، بالرغم من كون مدته الزمنية محدودة. ها أنتم ترون كيف أن ممكنات السرد تكشف عن ديناميتها وثرائها، وتغري الراوي المغامر بمناوشة الجزء المسكوت عنه من الذاكرة.

في يوم صحو من تلك الأيام، كنت منغمسا كليا في جو من الجد والنشاط ساهم في خلقه مجموعة من الأطفال في القسم بتوجيه من الشاب الوحيد بينهم الذي كنته.. فجأة، من داخل الحجرة الدراسية التي كانت بؤرة تختلط وتتفاعل فيها حركات وأصوات التلاميذ، شاهدت سيارة رباعية الدفع سوداء اللون تقف أمام المدرسة بجانب الطريق وقد نزل منها سياح أجانب من كلا الجنسين وفي أيديهم آلات للتصوير.. ظاهر من انسجامهم وتفاهمهم أنهم يشكلون وفدا سياحيا عائليا.

لا بأس من إلقاء مزيد من التوضيح على مسألة سهولة مشاهدة توقف سيارة من داخل القسم. أولا، المدرسة غير محاطة بسور يمكن أن يحجب عني ما يقع في الطريق وما يمر عليها. ثانيا، موقع المدرسة في الجبل يعلو على الطريق ما يجعلها مرصدا تشمل تغطيته الواحة بأكملها إلى أقصى حد يسمح به الأفق..

أدركت أولا أن توقف السيارة وعلى متنها مجموعة من السياح الأجانب أمام مدرسة ابتدائية ليس أمرا اعتباطيا، بله نقطة هامة مدرجة في جدول أعمال متفق عليه بشكل مسبق. لم أخرج من القسم لاستقبالهم مكتفيا بالنظر إليهم من الباب وهم يلجون الساحة.. لاشك أن غرضهم من هذه الزيارة الغابرة التواصل مع المعلمين والتلاميذ في مثل هذه البيئة الجبلية الوعرة التي تشكو من لعنة القحط. لكن آلات التصوير التي يحملها أعضاء الوفد السياحي تدل على أن الغاية التي يتطلع إليها الزائرون العابرون هؤلاء هي التقاط صورنا واستعمالها لتحقيق أغراض لا يعلم بخيرها أو شرها إلا الله تعالى.

ربما بسبب الابتسامة التي لازمت ملامح وجهي وأنا أنظر إلى السياح الوافدين علينا، اطمأنت أنفسهم فتقدموا نحوي وصافحتهم واحدا واحدا.. عملية التواصل بيني وأعضاء الوفد تمت بسلاسة نظرا لكون اللغة التي يتكلمون بها ليست لغة أخرى غير الفرنسية، وحتى وإن كانت إنجليزية فيمكن إنقاذ الموقف.. سمحت لهم بالدخول إلى القسم ليتواصلوا بشكل مباشر مع التلاميذ.. استبعدت من ذهني تماما فكرة استغلالهم وابتزازهم مقابل الإذن بالتقاط الصور.. طلبوا مني الإذن بتوزيع أقلام وكراسات على التلاميذ.. استجبت لطلبهم وأصبح الفرح مشاعا بين كل التلاميذ، باستثناء تلاميذ المستويات الأخرى الذين عاشوا لحظات عادية في أجواء عادية"..

(يتبع)..

  • أنفاس بريس :  أحمد رباص
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الأحد, 16 تموز/يوليو 2017 09:55
قيم الموضوع
(1 تصويت)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)


HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV
HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

"الستاتي" يشعلها في مهرجان "تيميزار للفضة" ويضرب رقما قياسيا

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات